جرش.. موسم “الرصيع” يفتح أبواب العمل المؤقت أمام المتعطلين

جرش- أيام قليلة تفصل عن موسم “الرصيع”، الذي يترقبه بالإضافة إلى المزارعين، شباب متعطلون عن العمل وعاملون في المهن الموسمية، إذ يجدون فيه فرصة مؤقتة لتأمين دخل يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة، فيما تتحول ثمار الزيتون المخصصة للكبيس إلى مصدر رزق لبائعين ينتشرون على جوانب الطرق وفي المواقع التي تشهد حركة للمواطنين والزوار.

ومع بدء طرح الثمار في الأسواق، تنشط حركة شراء الزيتون من المزارعين، ونقله وفرزه وتعبئته وتسويقه، قبل أن يصل إلى المستهلك عبر البسطات المنتشرة في مناطق مختلفة من المحافظة، في مشهد يتكرر كل عام ويشكل جزءا من الحركة الاقتصادية المصاحبة لموسم الزيتون.
وفي جرش، لا تنحصر أهمية الموسم في كمية الزيتون التي تنتجها المحافظة أو كمية الزيت التي تخرج من معاصرها، وإنما تمتد إلى عشرات الأعمال المرتبطة به، والتي توفر فرصا مؤقتة لأشخاص لا يمتلكون وظائف ثابتة، ويجدون في المواسم الزراعية متنفسا اقتصاديا خلال فترات محددة من السنة.
وينتظر الشاب عدي العياصرة موسم الرصيع بفارغ الصبر، باعتباره أحد المواسم التي يمكنه خلالها العمل وتحقيق دخل، بعد أن أصبح العمل الموسمي بالنسبة له ولغيره من الشباب المتعطلين عن العمل خيارا متاحا في ظل محدودية فرص العمل الدائمة.
ولا يرى العياصرة في موسم الزيتون مجرد أسابيع من البيع والشراء، بل فرصة عمل حقيقية، تبدأ مع بداية حركة الثمار وتستمر طوال الفترة التي يبقى فيها الطلب مرتفعا عليها، مؤكدا أن كثيرا من الشباب ينتظرون مثل هذه المواسم حتى يتمكنوا من العمل ولو لفترة قصيرة.
ويشكل بيع ثمار الزيتون من خلال البسطات أحد أبرز أوجه النشاط الذي يرافق موسم الرصيع، إذ يتولى أصحاب البسطات شراء كميات من المزارعين ثم إعادة بيعها للمستهلكين، مستفيدين من الإقبال على ثمار الزيتون المعدة للكبيس، ولا سيما من قبل المواطنين الذين يفضلون شراء الثمار مباشرة من مناطق الإنتاج.
الثمرة الجيدة والسعر المناسب
ويعمل الشاب صابر بني حمدان في هذا المجال، ويعتبر بيع الزيتون من خلال البسطة عملا موسميا مجديا، خصوصا أن جرش تستقطب متسوقين من محافظات مختلفة خلال الموسم، ممن يقصدون المحافظة لشراء الثمار بكميات للاستخدام المنزلي أو إعدادها للكبيس.
ويشير إلى أن حركة البيع ترتبط بشكل مباشر بجودة الثمار وأسعارها ومصدرها، مبينا أن المتسوق يبحث عن الثمرة الجيدة والسعر المناسب، فيما تشكل سمعة إنتاج جرش عاملا مهما في جذب المشترين.
وتتميز المحافظة باتساع المساحات المزروعة بالزيتون، حيث تبلغ المساحة نحو 132 ألف دونم، وفق مديرة زراعة جرش الدكتورة علا المحاسنة، التي تتوقع أن يصل إنتاج ثمار الزيتون هذا الموسم إلى نحو 60 ألف طن، بزيادة تبلغ 20 بالمائة مقارنة بالموسم الماضي. كما تقدر كمية الثمار المخصصة للكبيس بنحو 3 آلاف طن، فيما يتوقع إنتاج نحو 11.4 ألف طن من زيت الزيتون.
وتعني هذه الكميات حركة واسعة للثمار بين المزارع والأسواق والمعاصر والمنازل، وتوفر في الوقت ذاته قاعدة واسعة من المنتجات التي يمكن للعاملين في البيع الموسمي تسويقها خلال فترة قصيرة.
وقالت المحاسنة إن المديرية نفذت كذلك 150 حملة إرشادية وتوعوية استفاد منها نحو 500 مزارع، إلى جانب حملات رش شملت نحو 5 آلاف دونم مزروعة بأشجار الزيتون، فيما وزعت 6 آلاف مصيدة لمكافحة الحشرات على مساحة تقدر بنحو 12 ألف دونم، إضافة إلى 4 آلاف مصيدة ملونة لرصد مؤشرات الآفات والحشرات على نحو 8 آلاف دونم.
ولا يقتصر العمل الموسمي المرتبط بالزيتون على أصحاب البسطات، فالموسم يشغّل عمالا في القطاف، وآخرين في تحميل الثمار ونقلها، إلى جانب أعمال الفرز والتعبئة والتسويق، فضلا عن العاملين في المعاصر والخدمات المرتبطة بها.
ويعتمد عدد من أبناء مخيم جرش على موسم الزيتون باعتباره واحدا من المواسم التي توفر فرصا مؤقتة للعمل، خصوصا للشباب الذين يبحثون عن مصدر دخل خلال الفترة التي تسبق انتهاء الموسم.
ومن بين هؤلاء الشابان محمد الجراوين وصادق الصوالحة، اللذان يعملان معا في بسطة لبيع ثمار الزيتون، ويعتبران هذا النشاط فرصة عملية لتأمين دخل خلال الموسم.
ويختلف العمل في البسطة عن كثير من الأعمال الموسمية في كونه لا يحتاج إلى انتظار وظيفة رسمية أو مؤهل محدد، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على شراء المنتج وتسويقه، واختيار الموقع المناسب، والتعامل مع الزبائن، وتأمين ثمار ذات جودة وسعر منافس.
تنفيذ جولات رقابية
وتزداد فرص البيع عندما تكون البسطات في مواقع تشهد حركة مستمرة، خصوصا على الطرق المؤدية إلى المواقع الأثرية والغابات، وهي ميزة تستفيد منها جرش بحكم طبيعتها السياحية وكثرة حركة الزوار فيها.
ويؤكد حجم الإنتاج المتوقع أهمية الموسم بالنسبة للمزارعين والعاملين في سلسلة التسويق، إذ تشير تقديرات مديرية زراعة جرش إلى ارتفاع الإنتاج بنسبة 20 بالمائة عن العام الماضي، وهو ما يعني توافر كميات أكبر من الثمار المخصصة للعصر والكبيس.
وتأتي هذه التقديرات بالتزامن مع استعدادات مديرية زراعة جرش للموسم، حيث أعلنت المديرية تنفيذ جولات رقابية على 15 معصرة زيتون مرخصة في المحافظة، للتأكد من التزامها بشروط الصحة والسلامة العامة والتعليمات المعتمدة.
ولا تتوقف استعدادات الموسم عند المعاصر والمزارعين، فنجاح موسم الزيتون ينعكس على سلسلة من الأعمال المرتبطة بالثمار منذ لحظة خروجها من الأرض وحتى وصولها إلى المستهلك.
وفي حالة ثمار الكبيس تحديدا، تتجه كميات من الإنتاج إلى البيع المباشر بدلا من إرسالها إلى المعاصر، ما يفتح مساحة إضافية للعمل أمام التجار وأصحاب البسطات الذين يشترون الثمار من المزارعين ثم يعيدون طرحها في الأسواق.
ويعتمد نجاح هذه التجارة الموسمية على مجموعة عوامل، أبرزها سعر الشراء من المزارع، وسعر البيع للمستهلك، وجودة الثمار، وتكاليف النقل، وموقع البسطة، وحجم الإقبال، فضلا عن قدرة البائع على تصريف الكمية خلال الفترة المناسبة.
وتتسع دائرة المستفيدين من موسم الزيتون كلما ارتفعت حركة الإنتاج والطلب، فالمزارع يبيع محصوله، والعامل يحصل على فرصة عمل، وصاحب المركبة يجد عملا في نقل الثمار، والبائع يسوق المنتج، فيما يحصل المستهلك على حاجته من الزيتون.
وبذلك يتحول موسم الزيتون إلى دورة اقتصادية صغيرة تبدأ من الأرض وتنتهي في منزل المستهلك، لكنها تمر خلال هذه الرحلة بعدد من الأيدي التي تجد في الموسم فرصة مؤقتة للعمل.
وفي جرش، تكتسب هذه الدورة أهمية إضافية مع توقع إنتاج نحو 60 ألف طن من الثمار هذا الموسم، وهو رقم يعكس حجم المحصول الذي ستتحرك به الأسواق خلال الفترة المقبلة، إلى جانب نحو 3 آلاف طن مخصصة للكبيس وفق تقديرات مديرية الزراعة.
ومع بدء الموسم، ستظهر البسطات تدريجيا على الطرق، وستبدأ حركة البيع والشراء، وسيعود الشباب الذين ينتظرون الأعمال الموسمية إلى مواقعهم، بعضهم داخل المزارع، وبعضهم في عمليات النقل والفرز، وآخرون خلف البسطات.

 صابرين الطعيمات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة