حين تصبح الشاشة أسرع من الفكرة// عمر الدريني

نحن نعيش في زمن تستطيع فيه الشاشة أن تمنحنا عشرات الإجابات قبل أن ننتهي من صياغة السؤال، عنوان يظهر، ثم فيديو، ثم تعليق، ثم صورة، ثم خبر آخر، وفي دقائق قليلة ينتقل العقل من موضوع إلى آخر دون أن يمنح فكرة واحدة وقتًا كافيًا كي تستقر.
في هذا الزمن تحديدًا، لا تصبح القراءة رفاهية، بل تصبح مقاومة هادئة للسرعة.
ليس المقصود أن نضع الكتاب في مواجهة الهاتف وكأن أحدهما خير مطلق والآخر شر مطلق، فالهاتف نفسه يمكن أن يكون مكتبة، والكتاب يمكن أن يبقى مغلقًا. القضية أعمق: كيف نحافظ على قدرتنا على التركيز في عالم يريد منا أن ننتقل دائمًا؟
يأتي اليوم الوطني للقراءة في الأردن في التاسع والعشرين من أيلول ليضع هذا السؤال أمامنا بصورة أكثر وضوحًا، وقد حُدد هذا اليوم رسميًا بهدف تعزيز القراءة وتشجيعها وتحويلها إلى عادة يومية.
لكن القراءة في عصر الشاشة لم تعد مجرد الانتقال من عدم معرفة الحروف إلى معرفتها، القارئ اليوم يحتاج إلى مهارات إضافية: أن يميز بين المعلومة والرأي، وبين الخبر والتعليق، وأن يسأل عن المصدر، وأن يعرف متى يكون العنوان مضللًا، وأن يستطيع قراءة نص طويل دون أن يستسلم لإغراء الانتقال إلى شيء آخر.
وهنا تصبح القراءة تدريبًا على الانتباه.
الانتباه نفسه أصبح موردًا نادرًا.
قد يجلس الطالب أمام كتاب، لكن هاتفه إلى جواره، يقرأ سطرين، يأتي إشعار، يجيب، يعود إلى الصفحة، ثم يتذكر مقطعًا شاهده قبل قليل، وبعد نصف ساعة يكتشف أنه كان أمام الكتاب طوال الوقت، لكنه لم يكن معه.
لهذا فإن تعليم القراءة في زمننا يجب ألا يقتصر على تعليم المهارات اللغوية، علينا أن نعلم أبناءنا كيف يصنعون مساحة للتركيز، وكيف يحمون وقتهم من التشتيت، وكيف يمنحون النص فرصة كاملة قبل أن يحكموا عليه.
وهذه مسؤولية المدرسة والأسرة معًا.
في المدرسة، يمكن أن تصبح هناك دقائق للقراءة الهادئة لا يطلب فيها من الطالب سوى أن يقرأ ما اختاره، وفي البيت، يمكن أن يكون هناك وقت قصير بلا هواتف، يجلس فيه أفراد الأسرة مع كتاب أو قصة أو نص. ليست المسألة في طول الوقت، وإنما في انتظامه.
فالعادة الصغيرة التي تتكرر كل يوم أقوى من الحماس الكبير الذي يعيش ساعات.
وقد اتجهت مبادرات القراءة في الأردن خلال السنوات الأخيرة نحو جعل القراءة أكثر تفاعلًا، ومن ذلك ماراثون القراءة الذي تنظمه مؤسسة عبد الحميد شومان، والذي يقوم على ممارسة القراءة ضمن أجواء وفعاليات تفاعلية، وهذا التحول مهم؛ لأن القارئ الجديد لا يحتاج فقط إلى أن نخبره بأهمية الكتاب، بل إلى أن نمنحه تجربة تجعل الكتاب حاضرًا في حياته.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: «هل سيختفي الكتاب أمام التكنولوجيا؟» فربما هذا ليس هو السؤال أصلًا.
السؤال الحقيقي: هل سيبقى الإنسان قادرًا على التفكير بعمق في عالم تزداد فيه سرعة المعلومات؟
إذا بقيت الإجابة نعم، فستجد القراءة مكانها.
وقد يكون الكتاب الورقي، والكتاب الإلكتروني، والكتاب الصوتي، والشاشة، كلها أدوات مختلفة تخدم الهدف نفسه: أن يبقى الإنسان قادرًا على الإصغاء إلى فكرة كاملة.
في زمن السرعة، ربما يكون فتح كتاب فعلًا بسيطًا.
لكن الاستمرار في القراءة حتى نهاية الفكرة قد يكون فعلًا كبيرًا.
لأن الإنسان الذي يستطيع أن يمنح فكرة واحدة انتباهه الكامل، يستطيع غالبًا أن يمنح حياته شيئًا من هذا الانتباه أيضًا.

