سبعة أذرع // سعيد ذياب سليم

قبل أن يدق جرس الاصطفاف للطابور الصباحي، ترى التلاميذ يلاحق بعضهم بعضًا، أو يلقي أحدهم نفسه في الهواء، في شقلبة يحطّ على إثرها على قدميه بخفة، ومنهم من يسير على يديه مستعرضًا مهارته.
عالم الطفولة عالم المرونة والخفة والسحر؛ عالمٌ غنيّ بالحركة، لا يمر فيه شيء عابرًا تمامًا.
في طريقه ليقف بين زملائه في الطابور، شاهد أحمد قطعة معدنية تلمع تحت الأقدام المسرعة. تناولها، فإذا هي قطعة بحجم القرش. أمسك بها بين إصبعيه، وأخذ يمسحها مستغرقًا، وهو يفكر في برنامج الدروس اليومي الطويل.
استقرت في جيبه بعد أن أخذ مكانه في الطابور، واستعدّ للمشاركة في التمارين الصباحية.
كانت الحصة الأولى للرياضيات. جلس كل منهم في مكانه، ونظر أمامه إلى السبورة الذكية، منتظرًا أن يبدأ المعلم الياباني محاضرته من طوكيو، مستخدمًا تقنية البث المباشر عبر الأقمار الاصطناعية الخاصة بالمدرسة العالمية. لم تعد اللغة عائقًا أمام الاتصال والمحادثة، بفضل الترجمة الفورية بين اللغات الحية.
شرح المعلم الاقترانات المتصلة، ومثّل منحنياتها بيانيًا أمامهم، وقدّم أمثلة تتفق مع التعريف أو تختلف عنه. واستقبل تساؤلات الطلبة، وعالج مشكلة كل طالب على جهازه الخاص، ثم أرسل الملخص وحدد الواجبات البحثية للحصة القادمة.
في الاستراحة التي فصلت الحصة الأولى عن الثانية، وضع أحمد يده في جيبه وأخرج القطعة المعدنية.
لاحظ أنها شبه دائرية، تحمل على أحد وجهيها رسمًا لأخطبوط، وعلى الآخر رأس امرأة.
بدأ التحضير للحصة الثانية، التي ستكون رحلة افتراضية داخل الجسم البشري، للتعرّف على آلية الحركة في العضلات غير الإرادية. كانت جولة مثيرة ومجهدة للأعصاب؛ شاهدوا خلالها كيف يدق القلب، وتهضم المعدة الطعام، وتقوم الأمعاء بمهامها.
سُمح للطلاب بعدها بفترة راحة لتناول بعض المرطبات.
في الكافيتريا، جلس أحمد مع عدد من أصدقائه. دار الحديث حول حقوق الروبوتات المولدة، والعاطفة الافتراضية، وإمكان أن يكون للآلة كسبٌ مشروع.
أثناء ذلك، عاود إخراج القطعة من جيبه، وأخذ يتأمل ما عليها.
قال عاصم:
— ما هذه القطعة الغبية؟
— غبية؟ إنها جميلة. انظر إلى الأخطبوط.
كانت ليمار تجلس إلى طرف الطاولة. مدت يدها إلى القطعة، وقلبتها على وجهها الآخر.
— ولماذا تنظرون إلى الأخطبوط فقط؟ انظروا إلى المرأة.
— إلى ماذا؟
— إلى شعرها… أترون كيف يتماوج؟ كأنها تحت الماء. وانظروا إلى القرط.
اقتربت من القطعة أكثر.
— حتى خصلات شعرها ليست متشابهة.
قلبت القطعة مرة أخرى.
— عجيب… أخطبوط من جهة، وامرأة يحيط بها البحر من الجهة الأخرى.
— نعم، هل قمت بعدّ أذرعه؟
— كلا. يجب أن تكون ثمانية.
— لكنها سبعة! أي غباء هذا؟
— ربما تحمل معنى أبعد مما نراه.
— وكيف ذلك؟
— للوهلة الأولى، يبدو أن أحدهم يفضّل الأعداد الفردية على الزوجية.
— ربما، لكن لا تنسَ أن الرقم سبعة له مكانة خاصة. يكفي أن نقول إن اَلسُّلَّمُ الموسيقي يتكوّن من سبع درجات.
— ماذا لو كان هناك أخطبوط بسبعة أذرع؟ علّقت ليمار.
رفع عاصم حاجبيه، واتخذ هيئة مهيبة، ثم قال:
— ربما جاء من عالم آخر.
قال آخر ضاحكًا:
— ولماذا لا تكون القطعة تذكارية لواقعة بحرية فقد فيها الأخطبوط الراعي ذراعًا من أذرعه؟
ضحك الأصدقاء، وقاموا لاستكمال برنامجهم الدراسي.
كانت الحصة التالية تدور حول طرق البحث والوصول إلى مصادر المعلومات، باستخدام أدوات البحث التي تتيح التعرف إلى الأشياء من النص أو الصوت أو الصورة. أتاح ذلك لأحمد أن يبحث عن معلومات حول قطعته. التقط صورة لوجهيها، وقدمها للمتصفح الذكي.
وما هي إلا لحظات حتى حصل على معلومات مثيرة.
كانت قطعة نقدية يونانية قديمة، تعود إلى ما قبل الميلاد، ضُربت في سيراكيوز بجزيرة صقلية. على أحد وجهيها رأس امرأة، وعلى الآخر أخطبوط.
رجّح المتصفح أنها تمثل أريثوسا، حورية الماء المرتبطة بسيراكيوز، وأن الأخطبوط ظهر على عدد من إصدارات المدينة.
أما الأذرع السبعة، فلم يجد تفسيرًا حاسمًا لها.
قد يكون الأمر اختزالًا فنيًا، أو اختلافًا في التصميم، أو حتى خطأً في سكّ إحدى القطع.
بعد أن انتهى أحمد من البحث عن معلومات حول القطعة، أشرك ليمار، التي كانت تجلس إلى جواره، وأطلعها على ما وجد:
— ما رأيكِ يا ليمار؟
قرأَت ليمار المعلومات سريعًا، ثم عادت إلى صورة القطعة.
— إذن هذه أريثوسا، حورية الماء المرتبطة بسيراكيوز، والقطعة الأصلية كانت تُسكّ من الفضة؟
— نعم، هذا ما تقوله المصادر.
تأملت ليمار الصورة قليلًا، ثم قالت:
— انظر إلى أناقتها… شعرها المتموج، وأقراطها وحليّها، والطريقة التي يحيط بها الماء برأسها. كأن البحر حاضر في كل تفصيل فيها.
ثم قلبت الصورة إلى وجه الأخطبوط.
— امرأة من الماء وأخطبوط… لا أظن أن اختيار الصورتين كان عشوائيًا.
ترددت لحظة، ثم أضافت:
— لكنني أتساءل أيضًا: هل هذه القطعة من الفضة فعلًا؟
في نهاية الدوام المدرسي، سار أحمد مع أصدقائه، يحدثهم عن اكتشافه وما أبدته ليمار من ملاحظات. كان أكثر ما أثار فضولهم حديثها عن المرأة اليونانية، وأناقتها، وتفاصيل زينتها، وما قد تشير إليه صورتها من صلة بالبحر، فضلًا عن شكها في أن تكون القطعة من الفضة أصلًا.
علّق عاصم:
— ذكّرني حديث ليمار عن أناقة المرأة بسؤال أسمعه من أمي وهي تعدّ طبخة: «هل نجعل البصل شرائح دائرية أم مربعات؟» يبدو أن المرأة لا تترك حتى البصل من دون أن تختار له شكلًا جميلًا!
ضحك الأصدقاء، ثم أكمل عاصم:
— إذن أنت تحمل الآن في جيبك ثروة!
التف الأصدقاء حوله كفريق حراسة، واتفقوا على أن يكملوا البحث حول القطعة في اليوم التالي.
وفي ساحة الألعاب، قفز عاصم في الهواء، وتعلّق بالعارضة الأفقية لمرمى كرة القدم، متأرجحًا وساحبًا جسده إلى أعلى عدة مرات، ثم قفز برشاقة صارخًا:
— ألم يأتِ رجلنا الثري حتى الآن؟
— هذا أنا قد أتيت.
— أهلًا بك. ماذا الآن؟
— لنذهب إلى الموجّه العلمي في المختبر، ونسمع ما يقول.
التقت بهم ليمار في الطريق، حياها أحمد ودعاها لمرافقتهم:
—هل ترافقيننا إلى الموجه العلمي لنعرف أكثر عن القطعة؟ فأومأت برأسها وسارت بجواره.
استقبلهم الموجّه العلمي باشًّا مرحبًا، ثم سأل:
— ما الموضوع؟
بدأ عاصم يقص ما حدث:
— صديقنا أحمد وجد قطعة نقدية، يميزها رسم لأخطبوط بسبع أذرع. تقول المصادر إنها تاريخية. نريد رأيك فيها.
أخرج أحمد القطعة من جيبه وناولها للمعلّم.
تفحصها، ونظر في الوجه الأول ثم الثاني. وضع نظارته على عينيه، وأمعن النظر في الأخطبوط، ثم ابتسم.
— أنتم لا تحسنون العد!
— ماذا تعني، سيدي؟
— الأخطبوط له ثمانية أذرع. انظروا.
انتقلت القطعة من يد إلى يد، وارتسمت على وجوه الأصدقاء علامات الدهشة.
سكت الجميع، وراح كل واحد منهم يراجع نفسه:
هل كنت مخطئًا؟
قال أحمد:
— لكن بالأمس كان له سبعة أذرع. شاهدناها جميعًا في الكافيتريا أثناء فترة الاستراحة.
سأل:
— هل لها خاصية سحرية؟
ضحك الموجّه العلمي، ثم قال:
— تريثوا قليلًا. يا أحمد، أسرد لي كل ما فعلته بها منذ أن وجدتها.
تابعه الموجّه حتى انتهى.
ظل صامتًا لحظات، مقطب الجبين، ثم قال:
— يبدو أن هناك أصلًا تاريخيًا للقصة. المصادر تتحدث فعلًا عن قطع من سيراكيوز تحمل رأس أريثوسا وأخطبوطًا. هذا من حيث المبدأ.
ثم رفع القطعة بين أصابعه.
— لكن كونكم جميعًا رأيتم الأخطبوط بسبعة أذرع، ثم رأيتموه الآن بثمانية، يجعلني أشك في أن المسألة مجرد خطأ في العد.
نظر إليهم واحدًا واحدًا.
— لدي نظرية، لكنني أريد اختبارها قبل أن أطرحها عليكم.
وأشار إلى باب المختبر:
— هيا بنا.
ساروا خلفه، ثم جلسوا حول طاولة المختبر، وأخرج كل منهم جهازه اللوحي للمشاركة في التحليل وتدوين الملاحظات.
وضع الموجّه القطعة على ميزان رقمي حساس. ظهرت أمامهم الكتلة والأبعاد بدقة، وأُرسلت البيانات تلقائيًا إلى أجهزتهم اللوحية.
ثم انتقل إلى جهاز التحليل الخاص بالعناصر.
بعد دقائق، ظهرت أمامهم قائمة بالعناصر الموجودة في السبيكة.
تبادل الموجّه والطلاب النظرات.
ثم نقل القطعة إلى جهاز قياس الخواص المغناطيسية.
ظهرت النتائج على شاشة العرض، وتغيّرت الأرقام تباعًا.
اقترب أحد الطلاب من الشاشة.
— ماذا يعني هذا؟
قال الموجّه:
— يعني أن القطعة تستجيب للمجال المغناطيسي بطريقة تستحق أن نتوقف عندها.
— لكنها قطعة نقدية قديمة!
— وهذا هو الجزء الذي لا أفهمه.
جمع الموجّه البيانات، وقارن بينها وبين ما هو متوقع من معدن أثري من ذلك العصر.
ثم قال:
— تركيبها المعدني لا ينسجم تمامًا مع ما يفترض أن تكون عليه قطعة من هذا النوع.
ساد الصمت.
قال أحمد:
— وماذا يعني ذلك؟
بدلًا من الإجابة، أشار الموجّه إلى الشاشة الكبيرة.
— سأعرض عليكم شيئًا أولًا.
ظهر فيديو يشرح تاريخ الطباعة بالحاسوب: كيف تطورت الطباعة التقليدية، ثم ظهرت الطباعة الرقمية، قبل أن تقفز التكنولوجيا إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي أتاحت تصنيع مجسمات معقدة طبقة بعد طبقة.
ثم انتقل الفيديو إلى الطباعة رباعية الأبعاد.
ظهرت أمامهم نماذج لأجسام مطبوعة يتغير شكلها بعد تصنيعها، استجابة للحرارة أو الضوء أو الماء أو الكهرباء أو المجال المغناطيسي.
قال المعلّق في الفيديو إن الفكرة لا تعني وجود «طابعة سحرية»، وإنما استخدام مواد ذكية صُممت بحيث تتغير بنيتها أو شكلها أو خصائصها عند تعرضها لمحفز محدد.
ظهرت أمامهم نماذج لمواد مغناطيسية قابلة لتغيير شكلها.
قال الموجّه:
— الطباعة الثلاثية الأبعاد تصنع الشكل. أما الرابعة فتضيف إليه الزمن؛ أي إن الشيء الذي صنعته قد لا يبقى على هيئته الأولى إلى الأبد.
انتهى الفيديو.
انطلقت الأسئلة كالقذائف:
— إذن نستطيع أن نطبع ما نشاء؟
— إذن لا تصدق كل ما تراه، ولا نصف ما تسمعه… ولا ربع ما تلمسه؟
ضحك الموجّه.
قال آخر:
— وأين يقودنا هذا يا أستاذ؟
رفع الموجّه القطعة.
— إلى هنا.
نظر الجميع إلى القطعة.
— دعونا نجري تجربة أخيرة.
وضعها داخل جهاز يسمح بتعريضها لمجال مغناطيسي يمكن التحكم في شدته واتجاهه، وثبّت كاميرا عالية الدقة فوقها.
في الثواني الأولى لم يحدث شيء.
ظل الأخطبوط كما هو.
زاد الموجّه شدة المجال قليلًا.
لا شيء.
ثم عكس الاتجاه.
توقف أحد الطلاب عن التنفس تقريبًا.
بدأ أحد أطراف الأخطبوط يتحرك ببطء، كما لو أن المعدن نفسه يعيد ترتيب سطحه.
ثم استقر الشكل.
سبعة أذرع.
حفظت الأجهزة الصورة.
ارتفعت أصوات الدهشة.
أشار الموجّه إليهم بالصمت، وواصل التجربة.
غيّر اتجاه المجال مرة أخرى.
تحرك السطح.
ثم ظهر الأخطبوط بستة أذرع.
تعالت الضحكات وصرخات الاستنكار والدهشة.
قال عاصم:
— هذا مستحيل!
لكن أحمد لم يكن ينظر إلى الأخطبوط.
كان يفكر بصمت، ثم سأل:
— كيف حدث التغيّر بالأمس؟
— يبدو أنها تعرضت لمجال كهرومغناطيسي أثناء وجودك بجوار الحاسوب.
رفع أحمد رأسه:
— والوجه الآخر!
اقترب الجميع.
قلب الموجّه القطعة داخل الجهاز، وأعاد التجربة.
تحت تأثير شدة المجال المغناطيسي وتغيير اتجاهه، أخذ وجه المرأة يتحرّك ببطء، كأنه يلتفت من جهة إلى أخرى؛ من اليمين إلى الأمام، ثم إلى الجانب الآخر. همست ليمار:
— تتموّج خصلات شعرها بين وضع وآخر، كأن التيارات تعبث بها.
بقي الجميع صامتين.
قال عاصم، مستنكرًا:
— من يتلاعب بنا؟ من يتلاعب بالتاريخ؟
لم يجب الموجّه فورًا.
ظل ينظر إلى القطعة.
ثم قال بهدوء:
— لنقل إن العلم، إذا انفصل عن الأخلاق، يمكن أن يصنع أشياء أخطر من السحر.
قالت ليمار:
— لكنه منح هذه القطعة حياةً خاصة!
سأل أحمد:
— ماذا نفعل بهذه القطعة الآن؟
رفع الموجّه عينيه عن الشاشة:
— لا أحد يلمسها.
ثم أوقف الجهاز.
— سنوثّق كل شيء، ونرفع النتائج إلى الجهة المختصة بحماية التراث والآثار.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— هذه ليست قطعة نقدية يونانية أصلية، على الأقل وفق ما نعرفه الآن. لكن هذا لا يجعلها أقل أهمية… بل ربما يجعلها أكثر خطورة.
نظر إلى الأخطبوط ذي الأذرع الستة.
— السؤال لم يعد: هل هذه قطعة أثرية؟ بل: ما هذه القطعة؟
تمتمت ليمار بكلمات جعلت الجميع ينظر إليها في صمت:
— كيف وصلت إلى ساحة المدرسة؟
سعيد ذياب سليم

