مادبا.. ثروة أثرية تنتظر التحول من محطة مرور لوجهة إقامة

 

مادبا- على الرغم من الأهمية التاريخية والدينية الفريدة للمدينة كأولى محطات الحج المسيحي في الأردن، إلا أن تجربة الزائر غالبا ما تتوقف عند حدود خريطة مادبا الفسيفسائية في كنيسة القديس جورج، النقطة المحورية التي تستقطب آلاف الزوار سنويا، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية المسار السياحي الداخلي، وقدرته على توجيه السائح بسلاسة نحو باقي المعالم التراثية والأنشطة الثقافية والاقتصادية، خصوصا مع اقتراب ذكرى الألفية الثانية لرسالة السيد المسيح عليه السلام.

فمن أمام خريطة مادبا الفسيفسائية، عادة ما تبدأ حكاية السائح مع مدينة مادبا التاريخية، إذ سرعان ما تتبادر إلى ذهنه أسئلة كثيرة إلى أين يتجه الزائر بعد ذلك، وهل سيجد أمامه خريطة طريق متكاملة تقوده بسهولة من أروقة الكنائس القديمة إلى نبض الأسواق التراثية ومن صناع الفسيفساء إلى الفعاليات الثقافية وواجهات المطاعم المحلية.
المدينة التي تضم العديد من المواقع الأثرية والدينية والطبيعية القادرة على تشكيل تجربة سياحية أطول وأكثر تنوعا، ما تزال تحتاج إلى المزيد من الاهتمام والعمل الجاد لتحسين تجربة السائح وتسهيل الوصول إلى كافة المواقع بأريحية ودفع السياح إلى إطالة مدة الإقامة في أولى محطات الحج المسيحي.
غياب الخريطة العملية وتحديث خطط الاستقطاب
يؤكد مهتمون بالقطاع السياحي أن مدينة مادبا تتعدى كونها مجرد محطة مرور سريعة، إذ تمتلك مخزونا حضاريا وطبيعيا يؤهلها لتكون مقصدا سياحيا مستقلا لعدة أيام، مبينين أن المدينة تضم العديد من المواقع الدينية والأثرية ككنيسة الفرنسيسكان الأثرية والمنتزه الأثري ومدرسة مادبا للفسيفساء التي يوجد فيها أرضيات فسيفسائية نادرة مثل كنيسة العذراء والقصر المحترق، إضافة إلى جبل نيبو ومكاور واللذين يعدان نقطتين محوريتين للحج المسيحي كونهما ارتبطا تاريخيا بالأنبياء موسى ويوحنا المعمدان.
يقول محمد النوافعة: “رغم ثراء المنتج السياحي، تواجه تجربة السائح في مادبا عقبات تحول دون استغلال كامل طاقتها الاستيعابية وتزيد من ظاهرة السياحة العابرة كغياب خريطة طريق موحدة ومسارات واضحة ترتبط ببعضها، وازدحام الوسط التجاري ونقص المواقف وضيق الأرصفة غير المجهزة والتي تزيد من صعوبة التنقل بين الكنائس والأسواق، إضافة إلى ضعف الفعاليات الثقافية والمهرجانات التي تشجع الزائر على المبيت”، مضيفا أن المدينة بحاجة ماسة إلى التسويق لحزم سياحية مدمجة تجمع الآثار بالحرف والمطاعم والأسواق والتي من شأنها زيادة إنفاق السائح داخل المدينة.
ويلفت إلى أن المدينة تضم كافة المقومات التي من شأنها أن توفر للسائح تجربة سياحية متكاملة بدءا من المواقع الأثرية والدينية والقرب من حمامات ماعين الكبريتية والمسارات المؤدية إلى البحر الميت ومحمية الموجب للمغامرات إلى مشاغل الفسيفساء التي تعكس استمرار الفن الروماني البيزنطي بأيد أردنية إلى المطاعم السياحية والأسواق، قائلا: “رغم كل هذه المقومات إلا أن السائح ما يزال يقصد المدينة ليوم واحد فقط ما يتطلب العمل على وضع خريطة طريق متكاملة لتطوير تجربة الزائر وإطالة مدة الإقامة”.
ويؤكد ضرورة الانتقال من الترويج للموقع منفردا إلى تسويق مادبا كوجهة سياحية متكاملة، تقوم على مسارات واضحة تربط المواقع الأثرية والدينية بالثقافة المجتمعية والفنون والحرف والمطاعم والفعاليات، بحيث لا تنتهي زيارة السائح عند موقع واحد، وإنما تتحول إلى برنامج متكامل يدفعه لاكتشاف المدينة ومحيطها وإطالة مدة إقامته، لافتا إلى أن السائح يحتاج إلى خريطة سياحية عملية توضح المواقع والمسافات ومدة الزيارة والخدمات المتوافرة، إلى جانب مسارات جاهزة يمكن للزائر أو شركات السياحة اعتمادها بسهولة.
وتدعو مريم عيسى إلى تنويع البرامج السياحية الموجهة للعائلات والشباب والمجموعات، بحيث تجمع بين التاريخ والثقافة والطبيعة والطعام والحرف، مع الاستفادة من المنصات الرقمية في تعريف الزوار بهذه التجارب، وعدم الاكتفاء بالمحتوى الذي يقدم الموقع الأثري بمعزل عن محيطه.
وترى مريم عيسى أن تحويل مادبا من محطة زيارة قصيرة إلى وجهة مبيت وتجربة غنية يتطلب العمل واتباع إستراتيجية تشمل تطوير مسار تراثي للمشاة وإنشاء مسار مخصص وواضح يربط كنيسة الخريطة بالمنتزه الأثري وكنيسة يوحنا المعمدان والأسواق التراثية وتزويده بلوحات إرشادية متعددة اللغات لتوضيح القيمة التاريخية لكل نقطة، إضافة إلى تنويع الأنشطة وإدماج المجتمع المحلي كتنظيم سوق أسبوعي للحرف والمأكولات الشعبية في ساحات وسط المدينة لربط الزائر بالحياة اليومية للمجتمع المحلي وتحويل ورش الفسيفساء من مجرد متاجر بيع إلى تجارب حية يشارك فيها السائح بنفسه في صناعة قطعة فسيفساء صغيرة، منوهة إلى أن إيجاد أجندة فعاليات مسائية تضمن أنشطة ثقافية وموسيقية في البيوت التراثية والأماكن العامة واستغلال الإضاءة المعمارية لإبراز المعالم الأثرية ليلا سيحفز حركة المطاعم والمقاهي ويزيد الطلب على الفنادق.
وتوضح أن نقل مدينة مادبا إلى المكانة السياحية التي تستحقها لا يستدعي اكتشاف معالم جديدة بقدر ما يستدعي إدارة وإعادة تنظيم المسار السياحي الحالي وربط مادبا بمحيطها المباشر، مبينة أن تطوير خريطة طريق واضحة ومترابطة ميدانيا ولوجستيا كفيل بتحويل نظرة السائح من زيارة خريطة الفسيفساء إلى عيش تجربة مادبا الكاملة.
حيوية المكان والتفاعل المجتمعي
ترى الكاتبة والروائية نوال القصار أن السياحة الثقافية تعد المحرك الأساسي لتسويق أي وجهة، مشيرة إلى أن إطالة مدة إقامة السائح لا تتأتى إلا بإحياء الفعاليات الفنية والتراثية التي تعبر عن هوية المدينة وتخلق اندماجا حقيقيا بين الزائر والمجتمع المحلي.
وتشدد على أهمية تفعيل السياحة الثقافية باعتبارها جزءا أساسيا من عملية الترويج والتسويق للمواقع، ووسيلة قادرة على إطالة مدة إقامة السائح في مادبا، موضحة أن تنظيم فعاليات فنية وتراثية سيعكس هوية المدينة ويعمق فكرة الاندماج الاجتماعي بين السائح والمواطن بما يتيح للزائر التعرف عن قرب إلى العادات والتقاليد والحياة اليومية للمجتمع المحلي وتحويل الثقافة والتراث من عناصر مرافقة للزيارة إلى تجربة سياحية حيّة.
ويلفت سفيان أبو قاعود إلى أن تصميم حزم زيارات مدمجة تجمع بين سياحة الآثار صباحا والاسترخاء مساء في حمامات ماعين أو جبل نيبو سيدفع السائح نحو الإقامة لمدة لا تقل عن 48 ساعة، مشددا على أهمية تعزيز السياحة الطبيعية وسياحة المغامرة نظرا لوجود الكثير من المواقع الطبيعية التي من الممكن أن تقدم مادبا بصورة تتجاوز النمط التقليدي للزيارة.
ويضيف أن تنوع المنتج السياحي في المحافظة يمكن استغلاله لتطوير تجربة السائح لتشمل برامج متكاملة تجمع بين زيارة المواقع الأثرية والدينية والاطلاع على التجارب الثقافية والنشاطات الترفيهية بما يحول مادبا من محطة زيارة قصيرة إلى وجهة إقامة، مشيرا إلى أن الأردن يضم خمسة مواقع ذات مكانة في مسار الحج المسيحي ومعترف بها من الفاتيكان منذ عام 2000، هي موقع معمودية المسيح وجبل نيبو ومكاور ومزار سيدة الجبل في عنجرة وتل مار الياس، وتشكل هذه المواقع فرصة لتعزيز الترويج لمادبا وربطها بمسارات الحج المسيحي لتكون جزءا من برنامج ديني وثقافي متكامل.
ويرى رئيس ملتقى بيت مادبا الثقافي فوزان حوراني ضرورة استغلال وجود السائح في مادبا وربط السياحة بالثقافة المجتمعية، عبر إتاحة الفرصة له للتعرف إلى عادات المجتمع وتقاليده وفنونه وموروثه، مؤكدا أن إدماج الثقافة المحلية في التجربة السياحية يعمق تفاعل الزائر ويطيل مدة إقامته.
ويقول: “مادبا تمتلك عناصر التجربة السياحية، وما تحتاجه هو تنظيمها في مسارات مترابطة، وتحويل ثرائها الأثري والثقافي والطبيعي إلى برامج تجعل الزيارة أطول وأكثر تنوعا، وتمنح السائح سببا لاكتشاف المدينة لا المرور بها فقط، وتفتح في الوقت نفسه فرصا أوسع أمام المطاعم والحرف والخدمات والمشاريع المحلية للاستفادة من الحركة السياحية”.
ويطالب المستثمر في قطاع المطاعم نور الدين الحواتمة بإدماج الفعاليات الثقافية والفنية في البرامج السياحية اليومية، وتنظيم عروض تعكس هوية مادبا وموروثها، وربط المطاعم والمنشآت السياحية بهذه الفعاليات، مؤكدا أن تقديم المدينة كمتحف مفتوح يضم الفسيفساء والآثار والتاريخ والفنون من شأنه تنويع تجربة الزائر وإطالة مدة إقامته.
ويضيف أن المطلوب ليس زيادة عدد الفعاليات أو المواقع المعلنة، وإنما تحويل المقومات القائمة إلى برامج سياحية جاهزة للتسويق، لها مدة ومسار وخدمات وحجوزات وأسعار واضحة، وتستطيع شركات السياحة تقديمها للزائر قبل وصوله إلى مادبا، مع توفير خرائط رقمية ومعلومات دقيقة عن نقاط الانطلاق والانتقال ومدة الزيارة.
ويلخص الحواتمة خريطة الطريق المطلوبة لنهوض القطاع السياحي في مادبا بدءا من صياغة خريطة موحدة للمسارات وتطوير المنتج السياحي ورفع كفاءة الأدلاء السياحيين وتحديث اللوحات الإرشادية والخدمات التسهيلية وإنتاج محتوى بصري ورقمي موجه للأسواق المحلية والدولية يبرز مادبا كوجهة متكاملة، موضحا أن نجاح مادبا في تحويل ثرائها الأثري والتاريخي والطبيعي إلى منتج سياحي منظم ومسوق بفاعلية لن ينعكس فقط على إطالة مدة إقامة السائح بل سيفتح آفاقا اقتصادية واسعة أمام المطاعم وصناع الحرف والمنشآت المحلية بما يكرس المدينة كعلامة فارقة على خريطة السياحة العالمية.
تكامل مؤسسي وتحول رقمي
يوضح الناطق الإعلامي باسم وزارة السياحة والآثار الدكتور أحمد الرفاعي أن الرؤية الحكومية تعتمد على تقديم المنتج السياحي الأردني بطريقة شمولية تتكامل فيها أدوار الوزارة وهيئة تنشيط السياحة والقطاع الخاص والشركات والأدلاء السياحيين، مبينا أن الترويج السياحي يقوم على تقديم المنتج الأردني بصورة متكاملة، بدءا من تحديد الأسواق المستهدفة واهتمامات الزوار وصولا إلى إعداد محتوى وبرامج ومسارات تحول المقومات السياحية إلى تجارب قابلة للتسويق.
ويلفت الرفاعي إلى أن مادبا تمتلك عناصر قادرة على تشكيل مسارات متعددة تشمل السياحة الثقافية والدينية والطبيعية وسياحة المغامرة والسياحة الداخلية، فيما أصبح التحول الرقمي أداة رئيسة للتعريف بهذه الوجهات والوصول إلى الأسواق المستهدفة، مشيرا إلى أن التسويق الحديث لم يعد يقتصر على الإعلان عن موقع، بل يعرّف السائح بما يمكنه زيارته وكيفية التنقل ومدة البرنامج والخدمات والتجارب المتاحة.
ويشير الرفاعي إلى أهمية برنامج “أردننا جنة” في تعريف الأردنيين بالمواقع السياحية والأثرية من خلال رحلات منظمة ومدعومة، وربط الزوار بالمواقع والخدمات والمشاريع المحلية.
وبالنسبة لمادبا، يبقى التحدي في جمع هذه المقومات ضمن منتج سياحي واحد قابل للبيع والتسويق؛ فخريطة الفسيفساء يمكن أن تكون نقطة البداية، ومنها ينطلق السائح إلى الكنائس والمواقع الأثرية والأسواق والحرف والمطاعم والفعاليات، ثم إلى جبل نيبو والمواقع المحيطة، ضمن مسارات واضحة تستفيد منها شركات السياحة والمجتمع المحلي والقطاع الخاص.
وهذا يتطلب تعاونا عمليا بين الجهات الرسمية والقطاع السياحي والمجتمع المحلي، يبدأ من إعداد خريطة موحدة للمسارات، وتحديد التجارب القابلة للتنفيذ، وتأهيل الأدلاء، وتحسين الإرشادات والخدمات، وربط البرامج بالحجز والنقل، ثم تسويقها في الأسواق المحلية والخارجية بمحتوى بصري ورقمي واضح.

 أحمد الشوابكة // الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة