العلاج النفسي للصدمات..حين نرمم الجروح الخفية


د. عاطف القاسم الشواشرة

 

د. عاطف القاسم/ أخصائي نفسي اكلنيكي
لحجز المواعيد 00962792009376

===

ليس كل ما ينكسر في الإنسان يمكن رؤيته. هناك جروح لا تترك كدمات على الجسد، لكنها تترك أثرا عميقا في طريقة تفكيرنا، وفي علاقاتنا، وفي نظرتنا إلى أنفسنا والحياة. وقد يمضي الإنسان سنوات وهو يبدو بخير، بينما يحمل في داخله أجزاء لم تجد بعد من يصغي إليها.
في الثقافة اليابانية، يوجد فن يسمى الكينتسوغي Kintsugi، يقوم على إصلاح الخزف المكسور بمادة ممزوجة بالذهب، مع الإبقاء على آثار الكسر ظاهرة. فالشقوق لا تُخفى، بل تصبح جزءا من تاريخ القطعة وجمالها. والفكرة هنا ليست تمجيد الانكسار، وإنما الإيمان بأن ما تعرض للكسر يمكن ترميمه واستعادة قيمته دون إنكار ما حدث.
وهذه الفلسفة تحمل معنى عميقا في العلاج النفسي. فكثير من مراجعي العيادات النفسية لا يأتون وهم يبحثون عن محو الماضي، بل عن طريقة يستطيعون بها العيش معه دون أن يبقى حاضرا في كل تفاصيل حياتهم.
قد يأتي شخص مثلا وهو مقتنع بأنه غير جدير بالحب، بعد سنوات من الرفض أو النقد أو الإهمال. وقد يظهر ذلك في علاقاته الحالية على شكل خوف من الهجر، حساسية شديدة تجاه النقد أو حاجة مستمرة إلى إثبات قيمته للآخرين. هنا لا يقتصر دور المعالج على تقديم الطمأنة، بل يساعد الشخص على فهم جذور هذه المعتقدات، وفحصها، وإعادة بناء علاقته بذاته وبالآخرين.
العلاج النفسي لا يعني أن نعود بالإنسان إلى ما كان عليه قبل الجرح، ولا أن نقنعه بأن ما حدث لم يكن مؤلما. إنه عملية ترميم نفسي تساعده على استعادة قدرته على الاختيار والحياة، بحيث يصبح الماضي جزءا من قصته لا سجنا يعيش داخله.
وهنا تلتقي الفكرة، في بعض الحالات، مع مفهوم النمو بعد الصدمة Post-traumatic Growth، مع التأكيد أن الألم لا يؤدي حتما إلى النمو، وأن الإنسان ليس مطالبا بأن يكون ممتنا لجروحه.
فالمعالج النفسي لا يمحو ندوب الإنسان، بل يساعده على ألا تتحول ندوبه إلى هوية ثابتة.
وكما في الكينتسوغي، قد تبقى الشقوق واضحة، لكن القطعة لا تصبح أقل قيمة بسببها. وربما تكون الرسالة الأعمق التي يمكن أن نمنحها لمن أنهكته الحياة:
لقد انكسرت، نعم… لكنك لست مكسورا إلى الأبد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.