القلوب القاسية // بكر عبد الحافظ الخليفات

القلوب القاسية هي ثمرة جفاف المشاعر والأحاسيس، ذلك أن قسوة القلب هي واحدة من أخطر الآفات التي يمكن أن تصيب الإنسان في حياته؛ فهي تحول المشاعر الدافئة إلى صخور جامدة، وتجعل صاحبها أعمى عن رؤية آلام المحيطين به. ولا تقتصر القسوة في مفهومها الحديث على العنف الجسدي الظاهر، بل تتجلى في صور خفية ومتعددة داخل العلاقات الأسرية والإنسانية، مخلّفة وراءها جروحاً غائرة في نفوس الأبرياء، وهدماً لكيانات اجتماعية طالما كانت مستقرة. ويمتد أثر هذه القسوة ليتجاوز حدود الأفراد ويلقي بظلاله الداكنة على المجتمع بأكمله، حيث يتفشى جفاف التراحم بين الناس، ويحل مكانه استغلال البعض لبعضهم الآخر في المعاملات اليومية، والسعي الدؤوب لوضع العقبات في طريق الآخرين، واختلاق تعقيدات غير مبررة لتعطيل مصالحهم والتضييق عليهم. وهذه القسوة المؤسساتية والاجتماعية ليست قصراً على تصرفات الأشخاص العابرين فحسب، بل إنها تتجسد أحياناً في قوانين وأنظمة الحكومات الجافة التي ترهق كاهل الشعوب بالضرائب والالتزامات دون مراعاة لظروفهم، لتصبح القوانين سوطاً يعذب بدلاً من أن تكون درعاً يحمي.
وفي عمق العلاقات الأسرية، يبرز وجه آخر لهذه القسوة عندما يعيش الأب في غفلة من أمره، عاصياً لربه، لاهياً عن واجبه الحقيقي كقدوة وحصن لأسرته، حيث يظن بعض الآباء أن توفير المأكل والمشرب والملبس كافٍ للتعبير عن الحب، متناسين أن الإصرار على الذنوب والمعاصي يورد الأسرة كلها موارد الهلاك. إن شؤم المعصية لا يقف عند العاصي وحده بل يمتد أثره ليتعداه إلى بيته وأولاده، فيُحرمون من بركة الرزق، وتُنزع السكينة من حياتهم، وربما يبتليهم الله في سلوكياتهم وصحتهم جزاءً لإعراض الأب عن الطاعة، وهنا يتجسد المثل الشعبي الشهير بحذافيره “الآباء يأكلون الحصرم، والأولاد يضرسون”، فالأب هو من يرتكب الخطأ ويستمرئ المعصية، لكن الأبناء الأبرياء هم من يدفعون الثمن من استقرارهم النفسي ومستقبلهم. ولا تتوقف مظاهر قسوة القلوب عند هذا الحد، بل تظهر جلية في تدخلات بعض الأبناء والإخوة الذين يبيحون لأنفسهم اقتحام خصوصية حياة إخوتهم المستقلة، وبدلاً من أن يكونوا سنداً وعوناً، يبدأون في بث سموم الكلام والتأليب والفرقة داخل البيوت الآمنة المستقرة ، وكل ذلك بلا وجه حق. ويتلاقى هذا السلوك المؤذي مع قسوة بعض الحموات اللواتي يدفعهن حب السيطرة أو الغيرة إلى التدخل في أدق تفاصيل حياة أبنائهن، وتحريضهم على زوجاتهم دون وعي بعواقب الأمور، مما يحول عش الزوجية الهادئ إلى ساحة معركة مستعرة لا تحمد عواقبها، وهي سلوكيات تنم في أصلها عن قلوب قست وفقدت ورعها، واستسهلت تخريب البيوت لتلبية نزعات أنانية ضيقة.
إن علاج قسوة القلوب والحد من آثارها المدمرة في المجتمع يبدأ بالعودة إلى المنهج الإلهي والنبوي الذي عظّم الروابط الأسرية وحذر من الظلم وإفساد البيوت، فقد ذم الله عز وجل أصحاب هذه القلوب في القرآن الكريم، وبين أن القسوة سبب للطرد من رحمته حين قال تعالى في سورة المائدة: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ}، كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من التدخل بين الزوجين وتخريب العلاقة بينهما، وهو ما يُعرف في الفقه بالتخبيب، حيث قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا). وإن قلوب بعض البشر التي تألف القسوة وتعتادها تصبح في نهاية المطاف أشد قسوة من الحجارة الصماء، فلا نفع يرتجى منها سوى جلب الألم والشقاء للآخرين، ومفارقة الأمر أن الحجارة مع صلابتها وقسوتها الحِسيّة تحمل خيراً وفيراً وتتفوق بنفعها على تلك القلوب الخاوية؛ فمن الحجارة ما يتفجر ويتشقق لتفيض منه الأنهار والمياه العذبة التي تحيي الأرض والعباد، بينما تقف القلوب القاسية عاجزة عن تقديم أي قطرة من عطف أو رحمة، وهو ما صوره الخالق تبارك وتعالى بأبلغ وصف في كتابه الكريم حين قال في سورة البقرة: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّلهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

