مسلسل «أم الكروم».. وثيقة اجتماعية فنيــة رصــدت تحــولات المجتمــع الأردنــي

لا شك أن مسلسل «أم الكروم» عمل درامي توثيقي، لكاتبه الأردني د. مخلد الزيودي، وهو العمل الوحيد الذي شاهدته شريحة واسعة من الجمهور في كل مرة عُرِض بها، ففي عرضه الأول على شاشة التلفزيون الأردني عام 1999 وثق وحلل الباحث الأستاذ عماد الشبار أحد أبرز الأعمال الدرامية التي قدمها التلفزيون الأردني، ودوره في التعبير عن الهوية والواقع الأردني..

علامة فارقة

وفي هذا الجانب قال الباحث الشبار: في نهاية التسعينيات، وفي زمن كانت فيه الدراما الأردنية في طور إعادة تشكيل حضورها بعد مرحلة ذهبية سابقة، برز مسلسل «أم الكروم» بوصفه علامة فارقة في الإنتاج الدرامي الأردني، حيث أعاد تشكيل العلاقة بين النص الدرامي والمجتمع، مستندًا إلى حكاية واقعية تُلامس الوجدان الشعبي، وتعكس تحولات حقيقية في البنية الاجتماعية والاقتصادية للقرى الأردنية خلال السبعينيات والثمانينيات.

كتب المسلسل الدكتور مخلد الزيودي، الشاعر والإعلامي الأردني المعروف، بلغة محلية جزلة، مفعمة بالحكمة والمأثور الشعبي، وجاءت القصة على لسان الأرض والإنسان معًا، تسرد حال قرية أردنية تُدعى «أم الكروم»، تقع بالقرب من عمان، وتشهد تحولات جذرية تطال القيم والسلوك والهوية ،حيث تم التصوير في منطقة شفا بدران حوض مرج الفرس.

بدأت الحكاية من الأرض، من علاقة الفلاح بأرضه التي تمثل أكثر من مورد للعيش؛ إنها ذاكرته، وكرامته، وهويته. لكن مع الطفرة الاقتصادية وتغير أنماط العيش، تبدأ القصة بانحدار هذه العلاقة، حين تُباع الأراضي بأسعار زهيدة بحثًا عن مظاهر «التمدن»، وتبدأ القيم القروية بالانهيار لصالح سلوكيات جديدة دخيلة.

شخصيات المسلسل

وحملت شخصيات «أم الكروم» كل طيف المجتمع القروي الأردني، فكانت من اللحم والدم، ومن الطين والعرق: عواد (شايش النعيمي): شخصية الفلاح المتمسك بالأرض، رمز الوفاء والبساطة والمقاومة الصامتة، أما عقلة (هشام حمادة): شاب طموح، يسعى إلى المال والجاه بأي ثمن، ويمثل التيار الذي رأى في المدينة الخلاص، وجبر (خليل مصطفى): شخصية مترددة، ضائعة بين جيلين، بين الولاء للأرض والرغبة في اللحاق بركب التغيير، والأستاذ سلمان (محمد العبادي): المثقف القروي، يحاول الإصلاح والتنوير وسط مجتمع يرفض الاستماع، وأم كايد (سناء السالم): تمثل الحكمة الأمومية، وهي صوت الذاكرة الجمعية للقرية، وقد نجح طاقم العمل في تجسيد هذه الشخصيات بإتقان، حيث جاءت التمثيلات صادقة وعميقة، وخالية من الاستعراض أو التكلف.

أسند إخراج المسلسل إلى المخرج سعود الفياض، الذي وظّف الطبيعة الأردنية ببراعة، وخاصة قرية كفرخل شمال جرش، كموقع رئيسي للتصوير، فكان المكان بطلًا موازيًا، يلعب دورًا في السرد، ويوثق البيئة الريفية بطبيعتها وتضاريسها وملامحها المعمارية والزراعية، وساهم التصوير الخارجي والاعتماد على الإضاءة الطبيعية والمناظر الحقيقية في تعزيز الإحساس بالواقعية، فالمشاهد كانت تحاكي ذاكرة المشاهد الأردني والعربي على حد سواء.

بيع الأرض

يمتاز «أم الكروم» بأنه لم يكن مجرد عمل ترفيهي، بل كان عملًا ناقدًا بامتياز، لكنه لم يسقط في المباشرة. انتقد العمل ممارسات اجتماعية عديدة، مثل: بيع الأرض: وهو الموضوع المركزي، باعتباره رمزًا للانفصال عن الهوية والماضي، الطمع والتسلّق الطبقي: حيث أصبح بعض القرويين يسعون إلى الربح السريع دون وعي، كذلك العلاقات الأسرية المتوترة: جيل الأبناء يلوم الآباء على التخلف، والآباء يتهمون الأبناء بالعقوق والضياع.

تهميش التعليم: في وقت كان فيه التعليم يمثل وسيلة للنهوض، أُهمل لصالح الثراء السريع، وضياع القيم الجمعية: بعد أن كانت القرية مجتمعًا مترابطًا، صار الانقسام هو السائد، وقدّم المسلسل هذه القضايا بأسلوب درامي متزن، بعيد عن التلقين، مع مساحات للتأمل والتعاطف والحزن.

حقق المسلسل عند عرضه في نهاية التسعينيات نجاحًا كبيرًا داخل الأردن وخارجه، وارتبط بذاكرة جيل كامل من المشاهدين الذين رأوا فيه انعكاسًا لأحوالهم، وتناول النقاد العمل بوصفه نقطة تحول في مسار الدراما الأردنية، حيث اجتمع فيه النص القوي، والتمثيل المقنع، والإخراج المتماسك، والرسالة المجتمعية الواضحة، وقد أعيد بث المسلسل عدة مرات على القنوات الأردنية والعربية، كما أنه لا يزال يُدرّس أحيانًا كنموذج في الإنتاج الدرامي الأردني الذي يلامس الواقع.

في خطوة تدل على عمق المشروع الدرامي، كتب الدكتور مخلد الزيودي الجزء الثاني من المسلسل منذ أكثر من 13 عامًا، وقد حمل عنوان «أم الكروم 2». يتناول الجزء الثاني المرحلة التي أعقبت حرب الخليج، ويتابع النص الشخصيات في مساراتها الجديدة، حيث تصطدم الأحلام بالواقع، وتتكشف نتائج الاختيارات السابقة إلا أن هذا الجزء لم يُنتج بعد..

ولنا كلمة

عموما.. يبقى «أم الكروم» حاضرًا في الذاكرة الأردنية، لا بوصفه عملًا دراميًا فحسب، بل وثيقة اجتماعية فنية، سجّلت لحظة تحوّل جوهري في المجتمع الأردني، فهو عمل يُذكّرنا بما كنّا عليه، وبما فقدناه، وبما يمكن استعادته لو شئنا وهو يرسّخ مقولة: «ليس كل ما يُزرع يُحصد مالًا… فالأرض تحصد القيم أيضًا».

عموما.. في زمن اختلطت فيه الأصوات وتباينت الرؤى، جاء «أم الكروم» ليقول كلمته بهدوء وعمق: الأرض ليست فقط ما نعيش عليه، بل ما نعيش لأجله، وقد نجح هذا العمل الأردني البسيط، النابع من قرية وادعة، في أن يكون صرخة مدوّية في وجه التحول القاسي، وفي ذات الوقت، مرآة نقيّة لوجدان الوطن.

 

 

محمود كريشان/ الدستور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة