احتجاجات طلابية واسعة وتوقيف 6 آلاف شخص

اتهمت نقابات وجمعيات عدة في فرنسا الحكومة بقمع احتجاجات تلاميذ “الثانويات”، بعد استخدام الشرطة لعنف “غير متناسب” لإسكات مطالب “مشروعة”، بحسب وصفها.
واندلعت الحركة الاحتجاجية في 17 أيلول/ سبتمبر، انطلاقا من ثانوية سانت-إكزوبيري في ضاحية كريتاي، جنوب شرقي باريس، دعما للمدرسين الذين أضربوا احتجاجا على نقص الموظفين والموارد، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى وتكشف عن مطالب متعددة رفعها التلاميذ.
واستؤنفت الدراسة الأربعاء، في غالبية المدارس الثانوية، مع تواصل إغلاق بعضها، فيما تسعى السلطات إلى تهدئة الأزمة من خلال دعوة المتظاهرين للعودة إلى مؤسساتهم التعليمية لإجراء حوار.
توقيف أكثر من 6 آلاف أغلبهم من القاصرين
واكتسب التحرك زخما قبل أن يمتد إلى مختلف ربوع البلاد وتخللته أعمال تخريب واشتباكات مع قوات الشرطة ومكافحة الشغب، ما أدى إلى وقوع إصابات.
وشهدت فرنسا الثلاثاء مظاهرات شارك فيها ما بين 266 ألفا و450 ألف شخص، بمشاركة طلاب الثانويات والجامعات، إلى جانب معلمين وأولياء التلاميذ، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن السلطات والجهات المنظمة.
واتسمت الاحتجاجات عمومًا بالطابع السلمي، فيما أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف 488 شخصا في أنحاء البلاد، ما يرفع إجمالي عدد الموقوفين منذ بدء الحراك إلى 6547 شخصا.
تعقيبًا على ذلك، قال المحامي والباحث القانوني محمد آدم المقراني لوكالة “فرانس 24″، إن تجاوز عدد الموقوفين عتبة 6500 شخصا “يكشف عن حجم التحول الذي عرفته الأزمة، من احتجاج تربوي إلى ملف أمني وقضائي واسع. غير أن هذا الرقم لا ينبغي قراءته باعتباره دليلًا على تورط آلاف الشباب في أعمال تخريب؛ لأن التوقيف لا يساوي المتابعة القضائية، والمتابعة لا تساوي الإدانة. كما أن أغلبية من وُضعوا تحت الحراسة النظرية (وهي الاحتفاظ بشخص رهن الحجز لفترة محددة للتحقيق) هم من القاصرين، وهو ما يفرض على السلطات احترام الضمانات الخاصة بعدالة الأحداث ومبدأ التناسب في استعمال القوة والتدابير المقيدة للحرية”.
وفيما قالت وزارة العدل إن أكثر من 1800 يخضعون للملاحقة القضائية بتهم غير محددة منهم 1483 قاصرًا، كشفت مديرية شرطة باريس لوكالة الأنباء الفرنسية، أن 85 بالمئة من الموقوفين في الضواحي هم من القُصّر.
ويضيف آدم المقراني أن “الغالبية الساحقة من الموقوفين قاصرون”. واستشهد بأرقام وزارة العدل التي أفادت أن “من بين 5060 شخصًا وُضعوا تحت الحراسة النظرية حتى 5 تشرين الأول/ أكتوبر، هناك 4406 قاصرين، أي 87 بالمئة، مقابل 654 بالغًا”.
تُهم بالتخريب والاعتداء وأحكام بالسجن 12 شهرا
وأوضحت مديرية شرطة باريس أن “90 بالمئة من الموقوفين أُوقفوا بتهم التخريب والتحطيم والاعتداء”، مشيرة إلى أن “85 بالمئة من الأفراد الموقوفين قاصرون، وكثير منهم طلاب مدارس ثانوية، لكنهم ليسوا بالضرورة من المدارس التي يرتكبون التجاوزات في محيطها”.
في المقابل، اتهمت رابطة حقوق الإنسان الفرنسية الإثنين، قوات الأمن باستخدام أساليب غير متناسبة ضد المتظاهرين، وكثير منهم هم من القاصرين. وقالت رئيسة الرابطة ناتالي تيو: “نرى أن التعليمات الموجهة للشرطة لا تتضمن أي توجيه لضبط النفس، رغم أنها تتعامل مع أطفال”، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.
وفي السياق ذاته، أفاد موقع “فرانس إنفو”، بمثول ثلاثة شبان ينحدرون من مقاطعة فال-دو-مارن قرب باريس، الجمعة، أمام محكمة كريتاي. حُكم على أحدهم، ويبلغ 18 عاما بالسجن 12 شهرا منها ستة نافذة مع إمكانية ارتداء سوار إلكتروني، بعد إدانته بإطلاق مقذوف ناري على الشرطة.
ويضيف المصدر ذاته، أن حصيلة أعدتها النيابة العامة لباريس، كشفت عن اتخاذ الشرطة 113 إجراءً بالاحتجاز (الحبس الاحتياطي الأولي)، شمل 98 قاصرًا و15 بالغًا منذ 30 أيلول/ سبتمبر حتى الجمعة، واتخاذ 67 إجراءً قضائيًا بحق 59 قاصرًا و8 بالغين.
ويوضح المقراني أنه تم في إطار التوقيفات على خلفية احتجاجات الطلبة “ملاحقة 1802 شخصًا، منهم 1483 قاصرًا و319 بالغًا. كما اتخذ 1376 تدبيرا بديلا عن الملاحقة، من بينها الإنذار الجنائي والتعويض والمنع من الظهور في أماكن معينة والعمل غير المأجور، في حين حُفظت 790 قضية دون متابعة. ولم يُودع الحبس الاحتياطي في تلك الحصيلة سوى 14 شخصا، منهم 4 قاصرين. أما بالنسبة إلى التهم بالتفصيل، لم تنشر وزارة العدل بعد جدولًا وطنيًا جامعا حسب كل تهمة، لكن الملفات تتعلق خصوصا بأعمال العنف ضد قوات الأمن، والتخريب والإضرار بالممتلكات، والمشاركة في تجمعات عنيفة”.
عراقيل وملفات قضائية “فارغة”
من ناحية أخرى، تسود حالة الاستياء على خلفية هذه التوقيفات في جنوب غرب فرنسا، حيث أوضح المحامي لودوفيك تاردي من مدينة Pau بو، الذي تولى الدفاع عن ثلاثة قاصرين: “نحن نتحدث عن قاصرين قضوا الليل في الحجز دون فراش أو غطاء”.
كما تحدث العديد من المحامين عن عراقيل تهدف إلى التغطية على ملفات قضائية “فارغة” (أي تفتقر إلى أدلة كافية) وفقًا لهم.
وفي هذا السياق، قال محامٍ من بوردو- فضّل عدم الكشف عن هويته- لوكالة الأنباء الفرنسية، إنه تولى الدفاع عن فتى يبلغ من العمر 15 عامًا “اتُّهم باقتحام منشأة، كان أصلا قد لجأ إليها هربا من طوق أمني”. ويتأسف المحامي: “لقد أُغلِق ملف التحقيق، لكن الفتى أمضى ليلته رهن الاحتجاز لدى الشرطة، وكان يشعر بالقلق البالغ”.
أما موكّل المحامية شيرين أرداكاني فكان أصغر سنًا، حيث يبلغ 14 عاما. وهي تؤكد في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية: “لم يكن ذنبه سوى أنه توقف قرب مدرسة ثانوية تقع في طريق عودته من مدرسته الإعدادية”.
لكن من هم مثيرو الشغب الذين ظهروا خلال الحراك الطلابي؟
قال وزير التربية الفرنسي إدوار جيفري، إن ما لا يقل عن 24 مؤسسة تعليمية تعرضت “للحرق أو التخريب” على هامش الحراك الطلابي.
وأفادت تلميذة ثانوية في بوردو تبلغ 17 عامًا لوكالة الأنباء الفرنسية، بأن تلاميذ الثانويات “ليسوا هم من يقومون بذلك (التخريب)، بل أشخاص من خارج المدارس يأتون للتخريب، ما يفقد الحركة مصداقيتها”.
في هذا الإطار، نقلت إذاعة “RTL أر تي أل” عن مصدر أمني رفيع المستوى قوله، إن السلطات حددت هوية عناصر من خارج المدارس الثانوية ومخربين لا ينتمون لها “استغلوا الاحتجاجات لتأجيج الأوضاع وزيادة التوتر أمام المؤسسات التعليمية في أنحاء البلاد”.
كما نقلت الإذاعة الفرنسية عن أحد التلاميذ المشاركين في احتجاج بمدينة نانت غرب البلاد قوله: “في كافة المدارس الثانوية التي شهدت تجاوزات، كان الفاعلون أشخاصا من خارج الاحتجاج، يرتدون ملابس سوداء ويغطون وجوههم بالأقنعة”. وأضاف تلميذ آخر للمصدر نفسه: “بدا أنهم في العشرينيات من العمر تقريبا، وقد أحضروا حاويات القمامة والحواجز ووضعوها جميعا أمام المدرسة الثانوية. إنه أمر صادم!”.
ويختم الخبير القانوني محمد آدم المقراني تصريحاته حول أزمة الاحتجاجات الطلابية الحالية في فرنسا بقوله، إن الأرقام المتعلقة بالتوقيفات، تضع الحكومة الفرنسية أمام معادلة دقيقة: “فمن جهة، فهي مطالبة بحماية الممتلكات والأشخاص وملاحقة من يثبت تورطه في أعمال عنف أو تخريب، ومن جهة أخرى، تجنب تحويل الاستجابة الأمنية إلى عامل إضافي لتأجيج شعور جزء من الشباب بأن مطالبهم تُقابل أساسا بمنطق أمني”.
وأضاف أن النقاش الحالي “يكتسب حساسية أكبر”؛ لأن فرنسا تواجه منذ فترة احتجاجات حركة السترات الصفراء “انتقادات متكررة من هيئات أممية وأوروبية بشأن بعض أساليب حفظ النظام، ما يجعل مسألة التناسب والرقابة القضائية واحترام حرية التظاهر في صلب النقاش الحالي”. (فرانس 24)

