الباب الذي يطرقه الأردني عندما تضيق به الأبواب // د.باسم القضاة

عندما تشتدّ على المواطن الأمور،وتتراكم أمامه المعاملات، وتتعثر قضيته بين مكتب وآخر، أو يشعر أن مظلمته لم تجد من يسمعها، قد يفكر في بابٍ مختلف… باب الديوان الملكي.
ليس بالضرورة لأنه يبحث عن واسطة، ولا لأنه يريد تجاوز مؤسسات الدولة، وإنما لأنه يشعر أن هناك باباً يستطيع من خلاله أن يقول: هذه قضيتي، وهذا ما حدث معي، وأريد أن يسمعني أحد.
وهنا تظهر خصوصية العلاقة بين المواطن والملك.
فالملك، في وجدان كثير من الأردنيين، ليس مجرد عنوان سياسي للدولة، وإنما يمثل في لحظات الشدة المرجعية التي يمكن أن تُرفع إليها الشكوى عندما يشعر المواطن أن صوته لم يصل عبر القنوات الأخرى.
ولعل أجمل ما في هذه الصورة أن المواطن لا يحتاج، في تصوره، إلى أن يكون صاحب نفوذ أو قريباً من مسؤول حتى يروي مظلمته؛ يكفي أن تكون لديه قضية يعتقد أنها تستحق أن تُسمع.
لكن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية واحدة.
فإذا كان المواطن يذهب إلى الملك لأنه يثق بأن صوته سيصل، فهذه علامة على وجود رصيد من الثقة.
أما إذا كان يذهب لأنّه فقد ثقته بكل الأبواب الأخرى، فهنا تصبح المسألة رسالة تستحق التوقف عندها.
فالملك لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الموظف، ولا عن المدير، ولا عن الوزارة، ولا عن القضاء، ولا عن مؤسسات الرقابة.
قوة الدولة لا تظهر عندما يستطيع المواطن الوصول إلى رأسها فقط، وإنما عندما يستطيع أن يحصل على حقه وهو يقف أمام أصغر باب فيها.
ومع ذلك، تبقى قيمة الباب الملكي مختلفة في الوجدان الشعبي؛ لأنه يمثل، عند المواطن في لحظة الانكسار، أملاً بأن هناك من يستطيع أن ينظر إلى القضية من خارج تعقيداتها اليومية.
وربما لهذا يلجأ البعض إلى الديوان الملكي عندما يشعر أن كل الأبواب قد أغلقت.
إنها في جانب منها علاقة ثقة، وفي جانب آخر رسالة إلى مؤسسات الدولة:
لا تجعلوا المواطن يحتاج إلى الوصول إلى الملك حتى يشعر أن هناك من يسمعه.
فالملك يستطيع أن يكون آخر باب يلجأ إليه المواطن، لكن الأفضل للدولة أن تكون أبوابها كلها مفتوحة بالعدل والقانون.
وعندما يعرف المواطن أن مظلمته ستُسمع، وأن معاملته ستُراجع، وأن المسؤول سيُسأل، وأن القانون سيحمي حقه، عندها لن تكون علاقته بالملك قائمة على الحاجة وحدها، بل على الثقة والانتماء والاطمئنان.
ويبقى المشهد الأجمل:
أن يرفع المواطن مظلمته إلى الملك فيجد أذناً تسمع…
ثم تعود القضية إلى مؤسسات الدولة، فتجد قانوناً يطبق، ومسؤولاً يتابع، وحقاً يعود إلى صاحبه.
عندها لا يكون الباب الملكي بديلاً عن الدولة، بل يكون جزءاً من صورة دولةٍ تريد أن يسمع فيها المواطن صوته، أينما طرق الباب.

