جدوى الإتقان والكفاءة المتحرّكة // د . راشد الشاشاني

• العشرات من أجل الحشرات .
• التبدّل الدائم .
• تراكم القديم وتزاحم السئيم .
العلامة المائزةُ لأيّ عملٍ مهما كان نوعه أو صنفه هي : الإتقان ، هذا التميّز يلحق بصاحب هذا العمل ، لا على أساس أنّه نتيجة جهود تعثّرت ونهضت مرّات عدّة ، بل على أساس من ولادة جديد ، لهذا فالإتقان يختلف بين مكان وآخر ، زمن وآخر ، نظرةٍ وأخرى .. الخ .
بهذا التحديد : ” ولادة الجديد ” ينبغي أن نُعيد فكرتنا حول الإتقان ، فإن أرَدنا تخفيف فَلسفتنا للحديث نحو صالح تبسيطه ؛ نضرب مثالاً يلامسه معظم الناس يوميّا ، وهم يرقبون نشاط شخص أو مجموعة في مجالات : الدراسة ، التدريب ، الوعظ ، التوجيه ، التحفيز ، التنمية ، العمل … الخ ، المراقبة وحدها _ سيّما الاختياريّة منها _ غير مهمّة ، المهمّ هو تفاعلهم اليومي الإجباري _ بحكم طبيعة العلاقات والمجتمع _ والذي من شأنه أن يؤثّر مباشرةً في مشوار حياتهم وتفاصيلها الدقيقة .
لنأخذ مثالاً توضيحيّا ؛ المعلّم في المدرسة أو الاستاذ في الجامعة :
مشهد يوميّ ؛ عارَكَه أو يعاركه الناس جميعاً ، سواءً بشخصهم أو من خلال ذويهم ، حين يلتفت الطالب أو ذويه إلى تكرار المعلومة ، هذا التكرار قد لا تَفرضه المناهج فقط _ يقابلها قوانين العمل في أمثلة أخرى _ بل يعود في غالبيّته العظمى إلى مستوى فهم القائم على العمل لمهمّته ؛ التي ركَنَتَ بركون فَهمه إلى انعدام جدوى التغيير ؛ حين يُحتّم هذا التغيير المواجهة مع الآخرين ، غير أنّ هذه المواجهة ناتجة أساساً من سياسة أعلى ؛ تخشى ما تخشاه تلك الأدنى ؛ فتؤسّس بقصدٍ من جهة ، وتلقائيّةٍ من جهة ثانية هذا الجدار المُخيف من تطوير الذات قبل تطوير الغير.
جدار الخوف هذا : حلقة متوسّطة ينبغي لهدمها ؛ نَسفُ ما قبلها ؛ كي يُمكننا نَسف ما بعدها . لكنّنا ؛ ونحن نميل إلى التبسيط في موضعنا هذا ؛ نترك مساحة البعد عن نقطة البحث ؛ لنركّز على أن تكون المهمّة ” ديناميكيّة متحرّكة ” تسير مع سير التقدّم الشخصي قبل الجمعي .
ما تعنيه فكرتنا : إذا طبّقنا فكرة المقابل المالي على الجهد المبذول ؛ ونحن نتطلّع إلى استثمار أعلى بمقدّراتِ أقلّ ، سيّما في قطاع الترهّل ” القطاع العام ” الذي بِتنا نُفكّر في تغيير تسميته التي عَهِدناها لَه منذ عقود وهي ” مأوى العجزة ” إلى تسمية أشدّ قسوة .
لهذا ؛ وكي لا ننزلق إلى ما هو أسوأ ؛ ترى نظريّتنا في التحديث بل ” الانقلاب الجذري ” أن تكون المهمّة مقابل التجديد أو ” الكفاءة المتحرّكة ” مفهومة هذه الأخيرة على أنّها : مفهومٌ حيويٌّ يتحرك تقدّماً وتراجعاً ، ينبغي معه تقدير حجم المهمّة وأساس تولّيها بناءً على هَجر ما عَرَفَه بالأمس ” خبرة اليوم أو الأياّم السابقة ” في سياق الحدّ والمعنى اللذان يخدمان إنجاز فكرة جديدة في العمل .
بناءً على ذلك : لن يكون هناك تصنيف أبديٌّ مُطلقٌ للكفاءة ، فهي تُراجع كلّ يوم ، الأهمّ من ذلك ؛ انّ المهمة ” الوظيفة ” بالذات الرسميّة منها لن تكون دائمة ولا أبديّة ؛ تتيح للمتكاسلين حصناً منيعاً ضدّ عزلهم ، أو ضدّ تعطيلهم ، أو تأخرهم في مهمّتهم ، أو تخلّفها عن ركب التقدّم .
لا تحتّم النتيجة السابقة أن يكون العمل مؤقّتاً بحدود انتهاء كفاءة الأداء فقط ، بل بكونه محسوباً بالقطعة . لا مكان لدينا ” للأمان الوظيفي ” خدعة أصحاب التسلّط في نفث فسادهم وأثقال عبث تابعيهم الذين لا يكتفون بوظيفة واحدة ” العشرات من أجل الحشرات ” هكذا حال بعض وظائفنا ؛ التي يشغلها شخص واحد ؛ يستولى فيها على فرص عدد من الأشخاص ” المظلومين ” ويُضاعف ” ظلمه ” باستعمال نفوذه من خلال هذه المواقع .
هذا ” التبدّل الدائم ” لا يحمي مؤسّساتنا من المتلاعبين فقط ، بل يضمن سلطة الرقابة على أدوار المؤسّسات ذاتها ، فوق إفساحه المجال للجميع بالمشاركة في مهمّة ” كشف الإبداع ” في ميادينه ، لا ميادين الاغتراب التي تحرق حياة ” المظلومين ” من أجل إيقاد شعلة ” المتسلّطين ” وتأمين رواتبهم وامتيازاتهم التي سيرثها أبناؤهم ، كما سَيرث أبناء الغرباء شقائهم .
بالعودة إلى مثال الأساتذة : يمكن فهم صورة ” تراكم القديم وتزاحم السئيم ” في تكرار ذات المعلومات مع مرور زمانها ، بل تكرار ذات القصص ؛ حتى يظنّ السامع أنّها قد حدثت بالأمس القريب ، وإذا بها قد حدثت _ وبتفاصيل مختلفة تماماً _ قبل عقود ، وما إن يطالع أحدكم محاضرات في موضوعٍ ما ؛ حتّى يكتشف أن آخر ورقة لا تختلف عن أولّها سوى بتغيير الكلمات ربّما ، ينطبق هذا على أفكار ذات الشخص في تخصّصٍ ما ، وأفكار مجموعة من ذات التخصّص ” ينقلون عن بعضهم ” خشية المواجهة بفعل الإختلاف ، وهي جهلٌ وضعفٌ بحدّ ذاتها .
تتّسع نظريّتنا إلى جميع فئات المجتمع ؛ حين نوسِّع عناصر تطبيق مثالنا ؛ لتطال كلّ من يؤدي عملاً _ مهما كان _ بالذات إذا كان حكوميّا أو رسميّاً ، باعتبار أنّ الكفاءة لا تأتي حقّا بعد حصول النتيجة المميّزة ، بل إنّها تولد وتكبر في طريق ” البحث عن جديد ” فما بالنا بمن لا يقدّم جديداً . لهذا ؛ تنتهي المهمّة ؛ بمعنى : انتهاء الوظيفة والأجر والامتيازات كلّها _ مع تحفّظنا على فكرة الامتيازات من أصلها _ بانتهاء التجديد ؛ مع ما يتطلّبه هذا من سحب كلّ الألقاب والحرمان من شغل مهمّة غيرها .

