التبرير الزائد… استنزافٌ لقيمة الإنسان وضياعٌ للقيم.


الدكتور عبد المطلب القضاه

 

ليس كلُّ موقفٍ يحتاج إلى شرح، ولا كلُّ تصرّفٍ يستوجب التبرير، فثمة مرحلةٌ من النضج يدرك فيها الإنسان أن كرامته لا تُقاس بقدرته على إقناع الآخرين، بل بقدرته على الثبات على مواقفه دون أن يستنزف نفسه في شرح ما لا يستحق الشرح.
إنّ الإفراط في التبرير لا يغيّر الحقائق بقدر ما يستنزف صاحبه؛ إذ يدفعه إلى تكرار الكلام، واستنزاف طاقته النفسية، ومحاولة إرضاء الجميع، وكأنّ عليه أن يحصل على موافقة الآخرين ليكون واثقًا من نفسه ومقتنعًا بقراراته.
والحقيقة أن الإنسان الواثق لا يهرب من التوضيح حين يكون واجبًا، لكنه لا يحوّل حياته إلى جلسة دفاعٍ مستمرة عن نفسه. يوضّح حين يكون التوضيح ضرورة، ويعتذر حين يكون الاعتذار حقًّا، ويصمت حين يصبح الكلام تكرارًا لا يضيف معنى، ولا يبدّل قناعةً راسخة.
ليس مطلوبًا منك أن تكون مفهومًا عند الجميع، ولا أن تكون مقبولًا لدى الجميع، ولا أن تبرّر كل خطوة تخطوها لكل من يسأل أو يعترض. فبعض الناس لا يبحثون عن تفسيرٍ مقنع، بل عن مساحةٍ للجدل، وبعضهم لا يريدون فهم موقفك، بل يريدون أن تتراجع عنه إرضاءً لهم.
ومن الحكمة أن تميّز بين من يسألك رغبةً في الفهم، ومن يستدرجك إلى نقاشٍ لا نهاية له. فالأول يستحق التوضيح، أما الثاني فلا تمنحه من وقتك وراحة بالك أكثر مما يستحق.
ولا يعني ذلك التعالي على الناس أو تجاهل حقوقهم، فالتواضع خُلُق، والتوضيح مسؤولية، والاعتذار شجاعة حين نخطئ؛ لكنّ تحويل كل موقف إلى دفاعٍ مطوّل عن الذات ليس تواضعًا، بل قد يكون استنزافًا للكرامة والطاقة والوقت.
تذكّر دائمًا: ليس كل صمتٍ عجزًا، ولا كل تبريرٍ حكمة، ولا كل انسحابٍ ضعفًا. أحيانًا تكون أقوى إجابة هي موقفٌ واضح، وسلوكٌ مستقيم، وهدوءٌ لا يحتاج إلى ضجيج.
عِشْ بوضوح، وتعامل بصدق، واحفظ للناس حقوقهم، لكن لا تجعل رضاهم شرطًا لسلامك الداخلي؛ فمن عرف نفسه، وأدرك قيمة وقته، واستقام على مبادئه، لم يعد بحاجة إلى أن يشرح نفسه في كل مرة، ولا إلى أن يخوض معركةً لإثبات ذاته أمام كل عابر.
فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى تبريرٍ دائم، والكرامة لا تُصان بكثرة الشرح، بل بصدق الموقف، واتزان السلوك، ومعرفة متى نتكلم… ومتى نكتفي بالصمت.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.