عقلية المافيا الصهيونية : تطاول سموتريتش على مصر ينسف أوهام السلام ويستدعي الردع العسكري


مهدي مبارك عبدالله

 

الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط في خريف عام 2026 تشهد تصعيداً لفظياً ودبلوماسياً خطيراً يهدد بنسف ما تبقى من ركائز الاستقرار الهش خاصة بعد التطاول الفج والبلطجة السياسية غير المسبوقة التي مارسها وزير المالية الصهيوني اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بحق جمهورية مصر العربية والذي بدا لافتاً وصادماً للدوائر السياسية نظرا لان العلاقات الإسرائيلية المصرية كانت تعيش حالة واضحة من التوتر المكتوم والبرود الدبلوماسي الحاد حتى قبل اندلاع المواجهات الأخيرة في المنطقة .

لا شك بأن اتفاقية كامب ديفيد للسلام الموقعة عام 1979 كانت تشكل عبر العقود الماضية أحد أهم الأصول الاستراتيجية العليا للأمن القومي الصهيوني ورغم صمود هذا الاتفاق طوال العقود الماضية أمام أزمات عاصفة عديدة في السنوات الثلاث الأخيرة والتي شهدت استمرار التعاون الأمني التقني وتطوراً لافتاً في صفقات بيع وتسييل الغاز المشترك إلا أن العقيدة الفاشية المتأصلة لدى جيل القيادة الحالي في تل أبيب لم تتوقف عن النظر للجوار العربي بعين العداء التاريخي المتربص .

الانفجار الدبلوماسي الحالي جاء بعد أن اختار سموتريتش خلال فعالية دعاية انتخابية حاشدة ضمت الحاخام المتطرف حاييم نافون وبلا أي سياق رسمي أو بروتوكول دبلوماسي متعارف عليه بدأ الحديث صراحة عن مصر باعتبارها دولة عدو محتملة وقادمة في حسابات الأمن الصهيوني كما تطرق الوزير المأفون بنبرة نرجسية شاطحة وفجة إلى فكرة أن الحروب الراهنة والمستقبلية للكيان يجب ألا تنتهي بأي حال من الأحوال بالعودة إلى الوضع الجغرافي والسياسي الذي سبقها بل يجب أن تكون لها تبعات إقليمية تدميرية وجسيمة على الطرف العربي الذي يبدأها حيث كشفت هذه التصريحات الصارخة عورة الوعي الجمعي للمستوطنين الصهاينة الذين لا يرون في الاتفاقيات الموقعة مع العرب سوى هدن مؤقتة لالتقاط الأنفاس بانتظار اللحظة السانحة لتنفيذ مخططات التمدد الاستعماري والاستحواذ على المقدرات والحدود الجغرافية العربية المحيطة بكيان الاحتلال.

تطاول سموتريتش لم يتوقف عند حدود التهديد العام بل وصل إلى ذروة الوقاحة السياسية والصلف الصهيوني بمطالبته علناً بأن تدرك القاهرة وتفهم جيداً أن أي مواجهة أو مهاجمة لإسرائيل قد تؤدي تلقائياً إلى فقدان مصر لسيادتها على شبه جزيرة سيناء بالكامل وقد أضاف الوزير الفاشي بلهجة ملؤها التحدي والغطرسة الجوفاء عبارة بانه ( لا يوجد مناهيم بيغن اليوم ) في إشارة صريحة ومستفزة لرئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق الذي وقع اتفاق السلام وقدم تنازلات جغرافية لإعادة سيناء لأصحابها الشرعيين وإن اظهار هذا المنطق العقاري المبتذل يعكس عقلية سماسرة نوادي القمار وصالات الروليت في نيويورك وتل أبيب التي تحتقر المواثيق الدولية وتتعامل مع سيادة الدول الكبرى مثل مصر كحصص تجارية قابلة للمصادرة والابتزاز في أسواق المزاد الانتخابي الصهيوني المهترئ.

في ذات الوقت ومع هذه العاصفة اللفظية المزلزلة ساد صمت مطبق ومريب داخل أروقة حكومة الطوارئ الصهيونية حيث تجنب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته غدعون ساعر إصدار أي تعليق أو بيان رسمي يدين أو يتبرأ من تصريحات شريكهما الائتلافي الحاكم حيث فهم من هذا السكوت الحكومي المتعمد في القاهرة وفي كافة العواصم العربية باعتباره موافقة ضمنية ومباركة رسمية من رأس السلطة على مضامين التهديد الصادرة من سموتريتش خصوصاً في ظل الغياب التام والقطيعة المستمرة للاتصالات العلنية والمباشرة بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كما إن محاولة إدارة الاحتلال اللعب على حبل الصمت والغموض الاستراتيجي تعكس ايضا عجزاً بنيوياً وتواطؤاً عضوياً يفضح النوايا الخفية للمطبخ السياسي الصهيوني الذي يضمر الغدر ويحضر لسيناريوهات التفجير الإقليمي الشامل.

القراءات الاستخباراتية العميقة لكواليس مجلس الأمن القومي في تل أبيب تشير إلى أن نتنياهو يمارس مناورة انتخابية رخيصة عبر تجنب مواجهة شريكه اليميني المتطرف خوفاً من انهيار حكومته الائتلافية وفقدان مقعده السياسي ومواجهة مصيره القضائي الحتمي حيث يتوقع رئيس الوزراء واهماً أن تُعتبر تصريحات سموتريتش مجرد جزء من الخطاب الانتخابي الموجه لدغدغة مشاعر المتطرفين وأن يكون بالإمكان ترميم العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة لاحقاً بعد غلق صناديق الاقتراع غير أن التقديرات الرصينة تؤكد أن تداعيات هذا التطاول الخطير قد جعلت من استعادة مستوى العلاقات السابق أمراً مستحيلاً وعصياً على التحقق خاصة بعدما أن أصابت الشتائم الصهيونية كبرياء الدولة المصرية وجيشها في مقتل وفجرت غضباً عارماً لا يمكن علاجه بمسكنات الدبلوماسية المعتادة.

الاستهتار الصهيوني الفج قوبل برد رسمي وشعبي مصري صارخ وصارم هز اركان الأوساط الدبلوماسية في المنطقة وأعاد صياغة معادلات الاشتباك السياسي مع الكيان المارق حيث أصدرت الخارجية المصرية بياناً شديد اللهجة والقسوة حذرت فيه تل أبيب من مغبة اللعب بنار التهديدات الجغرافية ومس السيادة الوطنية لشبه جزيرة سيناء التي تعمدت بدماء أبطال القوات المسلحة في حرب أكتوبر المجيدة وأكدت القاهرة بلغة اليقين العسكري أن الجيش المصري في كامل جاهزيته وعنفوانه لحماية الحدود وصون الأمن القومي وأن زمن الصمت على الابتزازات الصهيونية قد ولى إلى غير رجعة رغم كل محاولات فبركة الروايات واستعراضات القوة اللفظية الجوفاء التي يطلقها وزراء اليمين الفاشي من تل أبيب.

على الصعيد الشعبي والبرلماني اجتاحت الشارع المصري موجة عارمة من الغضب الساطع والاحتقان القومي ضد الكيان الصهيوني حيث ارتفعت الأصوات المطالبة بالطرد الفوري للسفير الإسرائيلي من القاهرة والإلغاء النهائي لكافة اتفاقيات الغاز والطاقة الموقعة كما تحولت منصات التواصل الاجتماعي وجلسات مجلس النواب والشورى إلى منابر هادرة تدعو لتعزيز جبهات الصمود العربي ودعم المقاومة في غزة والشمال رداً على الغدر الصهيوني المستمر الذي يستهدف بتر مفاصل الأمة وتجويع شعوبها وهذا الالتصاق الشعبي والرسمي في مصر يبرهن لنتنياهو وترامب وكوشنر أن كرامة الأوطان الحية وسيادتها على الأرض ليست صفقات عقارية تباع وتشترى في الكازينوهات لإنقاذ النرجسية السياسية للنخب الفاسدة.

الواقع العملي يثبت أن محاولات سموتريتش لتهديد مصر بفقدان سيناء تعكس حالة من الذعر والهلع الباطني الذي يعيشه الكيان الصهيوني بعد تآكل قوة ردعه العسكرية وتحطم أسطورة جيشه الذي لا يقهر أمام ضربات المحور المتلاحقة والوزير الذي يتشدق بمحو الحدود يعلم في قرارة نفسه أن بوارجه وقواعده باتت أهدافاً مكشوفة وسهلة وأن مجتمع المستوطنين يعيش في الملاجئ تحت دوي صافرات الإنذار ولهاذا فهو يلجأ لصناعة انتصارات وهمية عبر الميكروفونات الانتخابية لتعويض الهزيمة النكراء والعجز الفاضح لقواته البرية والدفاعية في ضبط جبهاته القتالية وان هذا الإفلاس العسكري يظهر التهديدات الإسرائيلية أمام المنظومة الدولية كصراخ صبياني معزول يفتقد للمقومات الفعلية والقدرة على الصمود في وجه التحديات الوجودية.

البنية العقائدية المتطرفة للحركة الصهيونية الدينية التي يمثلها سموتريتش وبن غفير باتت تشكل الخطر الأكبر على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط والعالم قاطبة بسبب تبنيها لسياسات الحسم الاستعماري العنيف وتطهير الأرض من أصحابها الحقيقيين حيث تدرك النخب العاقلة في المنظومة الدولية أن بقاء هذه العصابة الفاشية في سدة الحكم بتل أبيب سيقود البشرية نحو حرب عالمية شاملة وفوضى عارمة تدمر سلاسل الإمداد وعصب الطاقة النقدي في المضائق والبحار ولذا فإن الواجب التاريخي يفرض على كافة الدول الحية حظر كافة أشكال التعامل التطبيعي غير المباشر مع كيان الاحتلال لفرض حصار حقيقي يشل حركة هذا العدو المتغطرس ويجبره على الانكفاء داخل حدوده .

الصورة الخلفية لهذا الهذيان اللفظي تثبت أن الغطرسة الصهيونية قد بلغت مرحلة التخبط الوجودي بعد أن عجزت جرافاتهم وآلياتهم الثقيلة عن كسر إرادة الشعب الصامد في غزة والشمال حيث تبحث حكومة الائتلاف المأزومة عن مخارج تكتيكية لتصدير أزماتها نحو حدود العواصم الكبرى المحيطة بها وإن محاولة هندسة الواقع الإقليمي الجديد عبر التهديد قضم الجغرافيا وسيادة الأوطان تلتقي مباشرة مع مخططات المحافظين الجدد في واشنطن الذين يتعاملون مع خرائط المنطقة بعقلية المضاربات العقارية الجشعة متجاهلين المناعة القومية للجيش والشعب المصري الذي يملك وعياً استراتيجياً وتاريخياً قادراً على قلب المعادلات وإفشال مؤامرات التي تدار في الغرف المغلقة قبل أن تبدأ.

ختاما : الحقيقة السياسية العارية التي لا تقبل القسمة على أوهام المهادنة لتعيد الكرة بقوة إلى مربع المؤسسة الحاكمة في تل أبيب وتنبه بتسليئيل سموتريتش وبنيامين نتنياهو ومن خلفهم من ازلام إدارة البيت الأبيض بأن جغرافيا مصر وجيشها وسيادة ارض سيناء خطوط حمراء ومقدسة دونها الموت الزؤام والدمار الشامل لترسانتكم العسكرية المتهالكة وإن أحلام التمدد الاستعماري وحذف العواصم والتصرفات الصبيانية لليمين الفاشي لن تجد فوق ذرات التراب المصري سوى مقبرة تلتهم نرجسيتكم السياسية والواجب القومي يستدعي اليوم تحركاً فورياً من القاهرة لبناء مسارات ردع حاسمة وعزل هذا الكيان المنبوذ تجارياً ودبلوماسياً ليفهم جنرالات الحرب وسماسرة دماء الأبرياء أن لغة البلطجة وفرض الإتاوات قد انتهت وأن الأرض ستبقى لأصحابها الشرعيين رغماً عن صفقاتكم الفاسدة التي تتهاوى يومياً نحو مزابل التاريخ بانتظار يوم الحساب والعدالة الإنسانية المطلقة.

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.