تفكيك الأسباب الخفية لتأجيل الانتخابات الفلسطينية .. من يخشى حكم الصناديق؟


مهدي مبارك عبدالله

لم يكن قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية مجرد تغيير في موعد الاقتراع أو استجابة لظروف أمنية وسياسية استثنائية بقدر ما كان كاشفاً عن أزمة أعمق تضرب النظام السياسي الفلسطيني وتضع شرعيته ومستقبل تمثيله الوطني أمام اختبار جديد فبعد أن كان مقرراً إجراء الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 2026 جرى تأجيلها بقرار من الرئيس محمود عباس إلى الحادي عشر من أيلول عام 2027 بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية التي تقرر إجراؤها في التاريخ نفسه وبذلك وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تأجيل جديد لاستحقاق طال انتظاره فيما تتسع الفجوة بين الشعب ومؤسساته السياسية وتزداد الشكوك في قدرة القيادة القائمة على تجديد شرعيتها عبر صناديق الاقتراع .

هذه المرة لم تكن الأولى التي تتعطل فيها الانتخابات الفلسطينية إذ سبق أن أُجلت الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة عام 2021 بذريعة عدم ضمان إجرائها في القدس الشرقية المحتلة أما هذه المرة فقد استند القرار كالعادة إلى جملة من العقبات الإسرائيلية والأمنية واللوجستية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة بما في ذلك القيود المفروضة على عمل لجنة الانتخابات ومراقبيها والظروف الكارثية التي خلفتها الحرب في القطاع وهي عمليا عقبات حقيقية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من خطورتها لكن وجودها يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحاً وهو لماذا لم تُعالج هذه المخاطر منذ لحظة إعلان موعد الانتخابات ولماذا جرى الوصول إلى قرار التأجيل بعد أن بدأت الاستعدادات السياسية والعملية للاستحقاق المنتظر.

لتفكيك أسباب هذا التأجيل لا بد من النظر إلى ما وراء الذرائع الرسمية المتكررة وان القراءة المعمقة للمشهد تُظهر أن النخب الحاكمة داخل السلطة الفلسطينية تعيش حالة من التوجس الشديد من مغبة الاحتكام الديمقراطي حيث تتداخل في هذا الصدد التخوفات من حدوث اختلال حاد في توازنات القوى القائمة خاصة في ظل الانقسامات العميقة داخل حركة فتح نفسها وظهور تيارات وتحالفات منافسة كتيار الإصلاح الديمقراطي مما جعل فكرة الذهاب إلى الصناديق بمثابة مقامرة غير مأمونة العواقب قد تفضي إلى خسارة الحكم والامتيازات السياسية الاقتصادية المرتبطة به.

الا ان الأهداف الحقيقية التي تكمن وراء هذا الاستحقاق المعطّل تتمحور حول رغبة حثيثة في الإبقاء على الوضع الراهن كما هو دون أي تغيير جوهري حيث تسعى القيادة المتنفذة من خلال هذا التأجيل إلى كسب المزيد من الوقت لترتيب البيت الداخلي وتأمين مسألة الخلافة السياسية بعيداً عن أية مفاجآت قد تفرزها إرادة الناخب الفلسطيني كما إن إبقاء اللعبة السياسية داخل الغرف المغلقة يضمن استمرار السيطرة على مفاصل القرار الوطني ومؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ويحمي التحالفات النخبوية القائمة على حد سواء .

اما فيما يخص التساؤل المثار حول موقف حركة حماس وما إذا كانت هي من طلبت التأجيل فإن القراءة الموضوعية للمواقف العلنية والتحليلات السياسية تشير إلى معادلة مغايرة تماماً بان حركة حماس لم تطلب صراحة التأجيل بل إنها على العكس اعتبرت ان القرار خطوة تحتاج إلى تصويب وطني شامل لكنها في الوقت ذاته تعاملت مع الديناميكية الجديدة بوصفها فرصة للضغط باتجاه اشتراط إصلاح شامل للمؤسسات الوطنية قبل الخوض في الاقتراع وهذا الموقف التكتيكي يتقاطع موضوعياً مع رغبة عامة لدى الفصائل الكبرى في تجنب مواجهة انتخابية غير مضمونة النتائج في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسية والتعقيد .

اللافت ان خيوط التعطيل تتكامل معا لتشير بأصابع الاتهام إلى شبكة مصالح معقدة تقف وراء عرقلة الاستحقاق الدستوري الملح وتضم هذه الشبكة أطرافاً مستفيدة بشكل مباشر من غياب المحاسبة البرلمانية والرقابة التشريعية وإن استمرار غياب المجلس التشريعي الفلسطيني لسنوات طويلة خلق بيئة خصبة لتغول السلطة التنفيذية وإصدار القوانين بقرارات عاجلة ومتلاحقة وهو ما يخدم شريحة واسعة من كبار المسؤولين والمستشارين الذين يخشون أن تؤدي الصناديق إلى تفكيك شبكات النفوذ والامتيازات المادية والمعنوية التي نسجوها على مدار عقدين من الزمن.

السلطة الفلسطينية تلعب في هذا السياق الدور المحوري والأبرز عبر أدواتها المتعددة بعدما تحولت من أداة لقيادة التحرر وبناء مؤسسات الدولة إلى جهاز يركز جلّ طاقاته في الحفاظ على بقائه واستمراريته حيث وظفت السلطة كامل أدواتها القانونية والإدارية والأمنية لهندسة المشهد السياسي بما يتوافق مع رؤية النخبة الحاكمة حيث اصبح استخدام مرسوم التأجيل أداة سياسية بامتياز لتفادي أي تغيير قد يهدد الهيكل البنيوي للنظام القائم متذرعة بالظروف السياسية والميدانية الاستثنائية لتبرير خطوتها وتمريرها.

في عمق المشهد يتجلى نمط واضح من التحايل السياسي الممنهج لوقف الانتخابات وتعطيلها خاصة وان النخب الحاكمة لا تعلن رفضها للديمقراطية صراحة بل تلجأ إلى تكتيكات الهروب إلى الأمام عبر وضع شروط تعجيزية أو استدعاء ملفات شائكة كملف القدس ومعوقات الاحتلال الإسرائيلي وهذا التحايل السياسي يهدف بالدرجة الأولى إلى منع حدوث الهزيمة السياسية والسقوط عن كراسي الحكم حيث يُنظر إلى الصناديق باعتبارها تهديداً وجودياً للاستقرار الشخصي والمؤسساتي لبعض القادة والمسؤولين الذين باتوا يربطون مصير القضية الفلسطينية بوجودهم الشخصي في السلطة.

عمليا إذا ما بحثنا عن الخاسر الأكبر من هذا المآل المأساوي نجد أن المواطن الفلسطيني والشعب بكافة أطيافه يقفون في مقدمة الضحايا لان بقاء التأجيل يمثل مصادرة صريحة لحقهم الدستوري والطبيعي في التعبير عن الرأي وتجديد النخب السياسية حيث يعيش الشارع الفلسطيني حالة مزرية من الإحباط المزمن جراء استمرار التعيينات الفوقية وغياب أي أفق ديمقراطي حقيقي مما يعمق الشعور المؤسف بالاغتراب السياسي لدى المواطن الذي يرى مؤسساته الوطنية تدار بالكامل دون تفويض شعبي متجدد.

فئة الشباب الفلسطيني تعتبر أحد أبرز المتضررين من هذا الانسداد السياسي المستمر سيما وإن جيلاً كاملاً ولد ونشأ دون أن يمارس حقه الانتخابي لمرة واحدة في حياته وإن تأجيل الانتخابات إلى سبتمبر من العام القادم يعني استمرار إقصاء الطاقات الشابة ووقف ضخ الدماء الجديدة في مراكز صنع القرار وإبقاء المؤسسات الفلسطينية رهن الشيخوخة السياسية المزمنة التي تحرم المجتمع من طاقات و أفكار ورؤى قادرة على مواجهة تحديات المرحلة ومقاومة مشاريع الاحتلال بآليات عصرية ومتطورة .

على الصعيد الاستراتيجي يبدو إن المشروع الوطني والقضية الفلسطينية برمتها يتلقيان ضربة قاصمة جراء هذا التعطيل اللامتناهي لان غياب الشرعية الانتخابية يساهم في تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة ويضعف الموقف التفاوضي والسياسي للفلسطينيين أمام المجتمع الدولي كما إن بقاء نظاماً سياسياً بلا تفويض شعبي يسهل الاستفراد به وإضعاف قدرته على مواجهة مخططات تصفية القضية الوطنية وعمليات التوسع الاستيطاني المستمرة التي تلتهم الأرض بشكل خطير ومنظم .

قرار التأجيل ينعكس تأثيره البالغ على التيارات السياسية المعارضة والقوى المستقلة التي كانت تعول على صناديق الاقتراع كأداة سلمية وشرعية لكسر الاحتكار الثنائي للمشهد السياسي الفلسطيني حيث جاء التأجيل ليجهض برامجها الإجرائية ويحد من قدرتها على تقديم بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية مقبولة للجمهور مما يدفع بالحياة السياسية نحو مزيد من الركود والتكلس ويفتح الباب على مصراعيه أمام خيارات غير ديمقراطية للتعبير عن الغضب والاحتقان الشعبي .

في المقابل لا يمكن إغفال المستفيدين من هذا الوضع القائم حيث يتقاطع هذا التأجيل مع مصالح قوى الاحتلال الإسرائيلي التي تفضل رؤية سلطة فلسطينية ضعيفة مفتقدة للشرعية الشعبية الكاملة ومرتبكة داخلياً مما يسهل إدارة النزاع وفق رغبتها بدلاً من حله الجذري كما تستفيد النخب البيروقراطية المستحكمة التي ترى في بقاء الوضع الحالي ضمانة لاستمرار تدفق الدعم الدولي والامتيازات المادية والاعتبارية دون قيد أو شرط محاسبة أو مساءلة برلمانية .

ختاما : تأجيل الانتخابات الفلسطينية يمثل صورة صارخة من وجوه الأزمة العميقة التي تعصف بالبنية السياسية الفلسطينية وان محاولة تأجيل استحقاق التاريخ والهروب من استجواب الجماهير عبر صناديق الاقتراع والتمسك بكراسي الحكم عبر التحايل الدستوري قد يمنح النخب الحاكمة أماناً مؤقتاً لكنه زائف كونه يبنى على حساب شرعية قضية وطنية عادلة كما إن استعادة زمام المبادرة وإعادة القرار للشعب ليس مجرد ترف ديمقراطي اختياري بل هو شرط وجودي ملزم لإنقاذ الهوية الوطنية وإعادة بناء المشروع التحرري الفلسطيني على أسس صلبة لا تهزها رياح المكاسب الشخصية والمصالح الفئوية الضيقة للذي يقودون قطار تعطيل الانتخابات الفلسطينية وتحويلها إلى لعبة كراسي مؤجلة .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.