عجلون : الغزوي يعود إلى مدرسته بعد 36 عاما .

– الكتابة تمنحنا حيوات متعددة والأحلام لا تعرف حدود المكان
—
في لقاء امتزجت فيه ذاكرة البدايات بأسئلة المستقبل، احتفت مدرسة كفرنجة الثانوية للبنين بالأديب والإعلامي رمزي الغزوي، أحد خريجيها، في فعالية ثقافية وتربوية بعنوان «عدت وفي حقيبتي حياة»، أقيمت اليوم الأربعاء، بحضور النائب السابق الدكتور احمد عناب ومندوب مدير التربية والتعليم لمحافظة عجلون رئيس قسم التعليم الخاص مصطفي عناب ورئيس مجلس التطوير التربوي لمحافظة عجلون الصحفي علي القضاة، وبمشاركة الهيئتين الإدارية والتدريسية وطلبة المدرسة وأبناء المجتمع المحلي، وذلك بعد ستة وثلاثين عاما على تخرج الغزوي من المدرسة التي شهدت أولى محاولاته الأدبية والإعلامية.
وشكل اللقاء، الذي نظم تحت شعار «المدرسة منصة الأحلام الكبيرة»، مساحة للحوار حول علاقة التعليم باكتشاف المواهب، وقدرة الأدب والفنون والمعرفة على توسيع التجربة الإنسانية، مستعرضا رحلة الغزوي بين الأدب والصحافة والفيزياء والتعليم والفنون البصرية، وما تنطوي عليه من إيمان بأن الإنسان يستطيع أن يمنح حياته أبعادا متعددة إذا ظل وفيا لفضوله وأحلامه.
وأكد مندوب مدير التربية أن الاحتفاء بالأديب والإعلامي رمزي الغزوي يمثل احتفاء بقيمة تربوية وثقافية تتجاوز حدود التكريم الشخصي، مشيدين بسيرته الأدبية والإعلامية وتنوع منجزه، وبما تقدمه تجربته من نموذج يجمع بين المعرفة العلمية والحس الإنساني والإبداعي، والانفتاح على الثقافة بوصفها أداة لبناء الوعي وتوسيع آفاق الأجيال.
وأشار إلى أن مديرية التربية والتعليم تحرص على مد جسور التواصل والشراكة مع المجتمع المحلي ومؤسساته وكفاءاته، واستثمار التجارب الناجحة لأبناء المحافظة في إثراء البيئة المدرسية، مؤكدا أن المدرسة لا تقتصر رسالتها على نقل المعرفة، وإنما تتسع لاكتشاف الطاقات الكامنة في الطلبة ورعاية مواهبهم، وتعزيز ثقتهم بقدرتهم على صناعة مستقبلهم والمشاركة الفاعلة في مجتمعهم.
من جانبه أكد مدير مدرسة كفرنجة الثانوية للبنين الأستاذ خالد قعاقعه اعتزاز المدرسة باستضافة أحد خريجيها الذين استطاعوا بناء تجربة ثقافية وإعلامية متميزة، مشيدا بالسيرة الطيبة للغزوي وحضوره في المشهد الثقافي الأردني، وارتباطه الوجداني بمدرسته ومدينته ومحافظته، معتبرا أن عودة الخريجين المبدعين إلى مدارسهم تحمل رسالة وفاء متبادلة بين المؤسسة التربوية وأبنائها.
وأوضح القعاقعه أن اللقاء يهدف إلى تقديم تجربة حية أمام الطلبة، تساعدهم على إدراك أن الموهبة تحتاج إلى اكتشاف ورعاية، وأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تنطلق من مقاعد الدراسة، متى اقترنت بالعمل والمعرفة والمثابرة، مشيرا إلى أن المدرسة تسعى إلى تحويل مثل هذه اللقاءات إلى حافز يعزز ثقافة القراءة والإبداع والحوار ويقرب الطلبة من أصحاب التجارب الملهمة.
وفي كلمته التي حملت عنوان «حياة واحدة لا تكفيني»، استعاد الغزوي واحدة من أكثر محطات تجربته تأثيرا، حين وقف عام 1987، وكان في الخامسة عشرة، أمام ميكروفون الإذاعة المدرسية ليقرأ خاطرته «حجارة ودموع»، التي كتبها متأثرا بصور الانتفاضة الفلسطينية، متخيلا دموع الأمهات وهي تنزل إلى رحم الأرض لتنبت حجارة في أيدي الأطفال. وروى كيف عاد إلى صفه بعد الإلقاء وأجهش ببكاء صامت، معتبرا أن تلك اللحظة كانت بداية اكتشافه للقوة الإنسانية للكلمات، وإدراكه أن الكتابة تغير شيئا عميقا في صاحبها قبل أن تسعى إلى تغيير العالم.
وقال الغزوي إن «ما يكتب بدموع يمكن أن يقرأ بدموع، وإنه لا يؤثر إلا المتأثر»، موضحا أن الإبداع الحقيقي يبدأ من قدرة الإنسان على الإحساس بالعالم، والانحياز إلى أوجاع الآخرين وأحلامهم، وأن الكلمة تفقد كثيرا من معناها حين تنفصل عن التجربة الإنسانية التي تمنحها صدقها وتأثيرها.
وتوقف الغزوي عند فلسفته في الكتابة بوصفها وسيلة لتوسيع الحياة وتجاوز حدود التجربة الفردية، مشيرا إلى أن الإنسان لا يحتاج إلى أعمار كثيرة كي يعيش حيوات متعددة، إذ تتيح له القراءة والكتابة والخيال أن ينظر إلى العالم بعيون الآخرين، وأن يختبر مشاعر وتجارب لم يعشها بنفسه.
وأكد أن علاقته بالأدب قامت على هذا الشغف بالتعدد، وعلى رغبته في البقاء داخل المسافة المدهشة بين معرفة الأشياء والإحساس بها.
وفي حديثه عن تنوع تجربته، وصف الغزوي نفسه بأنه «ضوء يتكسر»، مستعيرا من الفيزياء ظاهرة انكسار الضوء وانكشاف ألوانه للتعبير عن تعدد اهتماماته ووحدة رؤيته الإنسانية. وأوضح أن دراسته للفيزياء منحته فضول السؤال واتساع الخيال، فيما عمق الأدب معرفته بالنفس الإنسانية، ووضعته الصحافة أمام المسؤولية الأخلاقية للكلمة، وفتح له التعليم باب التعلم المستمر من طلبته، بينما أتاح له السفر إعادة اكتشاف العالم وعجلون التي يحملها معه أينما ذهب.
وشدد الغزوي على أن تنوع الاهتمامات لا يعني تشتت التجربة حين يجمعها سؤال إنساني واحد، مؤكدا أن المعرفة العلمية والأدب والفنون والصحافة تتكامل في بناء وعي أكثر رحابة، وأن قيمة الثقافة تتجلى في قدرتها على جعل الإنسان أكثر انتباها إلى الحياة وأشد إحساسا بالآخرين.
وفي رسالة مباشرة إلى الطلبة، أكد أن النجاح لا تصنعه الموهبة وحدها، وأن لكل حلم كلفة من الوقت والقراءة والانضباط والمثابرة، مستعيدا الصعوبات التي واجهته في مسيرته، ومشبها بعض إنجازاته بأشياء اضطر إلى انتزاعها من فم تمساح. وحذر من الاطمئنان إلى الإنجازات السابقة، معتبرا أن النجاح قد يتحول إلى «قفص جميل» إذا اعتقد صاحبه أنه بلغ نهاية الطريق، وأن التعلم الحقيقي يبدأ من الاعتراف الدائم باتساع ما نجهله.
وربط الغزوي بين الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، مؤكدا أن الحق والخير والجمال ليست شعارات لتزيين الخطابات، وإنما قيم يومية تمتحن قدرة الإنسان على مراجعة قناعاته، ورؤية ما يعنيه في حياة الآخرين، وحماية حساسيته تجاه العالم.
ودعا الطلبة إلى الاحتفاظ بقدرتهم على الدهشة والتأثر، معتبرا أن من يستطيع الإصغاء إلى وجع أم أو التأمل في زهرة تنمو بين الصخور، يستطيع الاحتفاظ بقلب يقظ يقاوم الاعتياد واللامبالاة.
وخص الغزوي معلميه بكلمات امتنان، مؤكدا أن المعلم الذي يصغي إلى صوت طالب متردد، أو يمنح سؤالا ناشئا شيئا من وقته وثقته، قد يفتح أمامه طريقا يمتد أثره عقودا. واعتبر أن احتفاء المدرسة بأحد خريجيها هو في جوهره احتفاء بإمكانات طلبتها الحاليين وبالأحلام التي لم تتشكل بعد، داعيا إياهم إلى اكتشاف أصواتهم الخاصة وصناعة مساراتهم دون استنساخ تجارب الآخرين.
وشهد اللقاء تفاعلا واسعا بين الغزوي والحضور والطلبة الذين شاركوا بأسئلتهم ومداخلاتهم حول بدايات الكتابة، واكتشاف الموهبة، والعلاقة بين الدراسة العلمية والاهتمامات الأدبية والفنية، والتحديات التي تواجه أصحاب الأحلام وتحول الحوار إلى مساحة لتبادل الأفكار والتجارب، أكد خلالها الغزوي أهمية السؤال والقراءة والتجريب وعدم الخوف من الخطأ، مشددا على أن نجاح اللقاء يقاس بما يتركه من رغبة لدى الطلبة في اكتشاف قدراتهم ومواصلة التعلم.
وعلى هامش الفعالية، افتتح المعرض الفوتوغرافي «أغاني الأرض» للغزوي، الذي يتناول جماليات الأزهار وعلاقتها بالبيئة المحلية وثقافتها، ومعرضه الفني «كائنات»، الذي يقدم مختارات بصرية تستكشف ملامح الوجوه والأشكال الكامنة في تفاصيل الطبيعة والأشياء المألوفة. كما افتتح معرضا لمؤلفات الغزوي، أتاح للطلبة والمعلمين التعرف إلى تنوع إنتاجه الأدبي والثقافي.
وعكست المعارض جانبا من رؤية الغزوي الفنية القائمة على إعادة اكتشاف الأشياء الصغيرة وإضاءة ما تخفيه من دلالات جمالية وإنسانية، وعلى وصل الكتابة بالصورة والتأمل، بوصفها وسائل متعددة للتعبير عن علاقة الإنسان بالعالم.
وفي ختام اللقاء، أهدى الغزوي كامل مؤلفاته إلى مكتبة مدرسة كفرنجة الثانوية للبنين، تعبيرا عن امتنانه للمكان الذي احتضن بداياته، وحرصه على أن تبقى كتبه قريبة من أيدي الطلبة وفضولهم وأسئلتهم.
واختتم الغزوي مشاركته بالتأكيد أن عودته إلى المدرسة أعادته إلى الفتى الذي وقف يوما أمام ميكروفونها محملا بالخوف والحلم، وأن القيمة الأجمل لهذه العودة تتمثل في أن يجد بين طلبتها من يمضي بحلمه إلى آفاق أبعد، مستعيدا فكرته التي اختزلت رحلته: «حياة واحدة لا تكفيني».
ووسط الحضور المجتمعي والطلابي كرم مدير المدرسة القعاقعه الغزوي تقديرا لانتاجه وعطائه التربوي والاعلامي الغزير .
الدستور / علي القضاه


