مكتبـــة متــحف الوهادنـة للتـراث الشـــعبي… نافذة للمعرفة وجسر يصل الماضي بالحاضر

في أجواء ثقافية تعبّر عن الاعتزاز بالتراث الشعبي الأردني، والإيمان بأهمية الكتاب والمعرفة في بناء الإنسان وصون الهوية الوطنية، افتُتحت المكتبة العامة في متحف الوهادنة للتراث الشعبي، تحترعاية عطوفة مدير ثقافة عجلون الأستاذ سامر الفريحات، وبحضور عدد من أبناء المجتمع المحلي والمهتمين بالكتاب والتراث الشعبي، إلى جانب أعضاء جمعية متحف الوهادنة للتراث الشعبي.

ويأتي افتتاح هذه المكتبة انطلاقًا من رسالة المتحف الثقافية والمعرفية، وإيمانًا بأن المتاحف ليست مجرد أماكن لحفظ المقتنيات والأدوات التراثية، بل مؤسسات ثقافية حية تسهم في نشر المعرفة، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية، وربط الأجيال الحاضرة بتاريخ الآباء والأجداد وإرثهم الحضاري والإنساني.

إن إنشاء مكتبة عامة داخل المتحف لا يمثل مجرد إضافة جديدة إلى مرافقه، وإنما يشكّل خطوة نوعية في تطوير رسالته الثقافية وتوسيع دائرة خدماته المعرفية، لتصبح المكتبة فضاءً مفتوحًا أمام القراء والباحثين والطلبة والمهتمين بالتاريخ والتراث والأدب وسائر ميادين المعرفة.

 

محتويات المكتبة… ذاكرة ثقافية تمتد عبر العقود

تضم المكتبة أكثر من ألفي كتاب، تتنوع موضوعاتها بين التراث والتاريخ والدين والأدب، بما في ذلك الروايات والقصص، والعلوم السياسية والاجتماعية، إلى جانب مجموعة من المجلات المتخصصة في موضوعات ومجالات معرفية متعددة.

وتحتل الكتب المدرسية القديمة مكانة خاصة بين مقتنيات المكتبة، إذ يعود بعضها إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فضلًا عن مؤلفات مضى على صدور بعضها أكثر من نصف قرن، بما تحمله من قيمة علمية وتاريخية، وما تعكسه من تطور في مسيرة التعليم والثقافة عبر الأجيال.

كما تضم المكتبة أعدادًا متفرقة من صحيفتي «الرأي» و«الدستور»، تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وهي مواد صحفية تحمل بين صفحاتها جوانب من ذاكرة المجتمع الأردني، وأحداثًا وشواهد على مراحل مختلفة من تاريخ الوطن وحياته السياسية والاجتماعية والثقافية.

وقد رُتّبت الكتب في رفوف خشبية جميلة، بصورة تتيح للزائر سهولة الاطلاع عليها والوصول إلى موضوعاتها، في بيئة ثقافية هادئة تشجّع على القراءة والبحث واكتساب المعرفة.

الكتاب الورقي… قيمة لا تُختزل في صفحات

وعلى الرغم من التطور المتسارع في وسائل التكنولوجيا والاتصال، وانتشار الكتب الإلكترونية والمصادر الرقمية، فإن الكتاب الورقي ما زال يحتفظ بمكانته الخاصة في حياة الإنسان؛ فهو ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل رفيق للمعرفة، ومستودع للذاكرة، وشاهد على تطور الفكر الإنساني عبر العصور.

إن العلاقة بالكتاب الورقي تتجاوز حدود القراءة وتحصيل المعلومات؛ فملامسة صفحاته، وتقليب أوراقه، والتوقف عند عباراته، والعودة إلى مواضعه، تمنح القارئ تجربة معرفية وإنسانية لها خصوصيتها. كما أن الكتاب المطبوع يتيح الاحتفاظ بالمعلومات والرجوع إليها، ويمنح الأجيال فرصة التواصل المباشر مع أفكار الكتّاب وتجاربهم، بعيدًا عن التغيّر المستمر في الوسائط الإلكترونية ومتطلباتها التقنية.

ولعل أعظم ما يقدمه الكتاب الورقي أنه يحفظ ذاكرة الأمم من الضياع؛ فقد وصلت إلينا من خلال الكتب مؤلفات الأقدمين في الطب والهندسة والرياضيات والفلك والفلسفة والآداب، وغيرها من العلوم والمعارف التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية وتراكم الخبرات بين الأجيال.

وما الكتب القديمة التي تحتضنها مكتبة متحف الوهادنة للتراث الشعبي إلا شواهد حية على هذه الحقيقة؛ إذ لا تقتصر قيمتها على محتواها العلمي والأدبي، بل تمتد لتشمل تاريخ طباعتها، وأسلوب إخراجها، ومناهج التعليم التي تعكسها، والمرحلة الزمنية التي صدرت فيها. ومن هنا، فإن المحافظة عليها ليست مجرد عناية بأوراق قديمة، بل هي صون لجانب من الذاكرة الثقافية والتعليمية للمجتمع.

ولا يعني الاعتزاز بالكتاب الورقي التقليل من أهمية التكنولوجيا الحديثة؛ فلكل منهما دوره في خدمة المعرفة، ويمكن للوسائل الرقمية أن تسهم في توثيق الكتب وحفظها وتوسيع دائرة الوصول إليها، فيما يظل الكتاب الورقي محتفظًا بقيمته الثقافية والوجدانية والتاريخية.

مكتبة المتحف… رسالة ثقافية مستدامة

إن متحف الوهادنة للتراث الشعبي، وهو يعتز بافتتاح مكتبته العامة، يؤكد أن رسالته لا تقتصر على جمع المقتنيات التراثية وعرضها، بل تمتد إلى خدمة الثقافة والمعرفة، وتشجيع القراءة، والمحافظة على مصادر الذاكرة الوطنية، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للتعرّف إلى تاريخها وتراثها.

ويأتي هذا الإنجاز امتدادًا للجهود التي تبذلها جمعية متحف الوهادنة للتراث الشعبي في تطوير مرافق المتحف وتعزيز دوره الثقافي والمجتمعي، انطلاقًا من إيمانها بأن الاستثمار في الثقافة والمعرفة هو استثمار في الإنسان، وأن الأمم التي تحافظ على تراثها وكتبها وذاكرتها إنما تحافظ على جذورها وهويتها ومستقبل أجيالها.

وفي الختام، يرحّب متحف الوهادنة للتراث الشعبي بطلبة العلم والباحثين والقرّاء والمهتمين بالتراث والتاريخ والثقافة، ويدعوهم إلى زيارة مكتبته والاطلاع على ما تضمه من كتب ومؤلفات ومجلات وصحف قديمة، والمساهمة في جعلها مساحة للتواصل الثقافي وتبادل المعرفة.

فالكتاب يفتح أمامنا أبواب المعرفة، والمتحف يحفظ لنا ذاكرة المكان والإنسان، واجتماعهما في فضاء واحد هو رسالة ثقافية نبيلة، عنوانها الوفاء للماضي، وخدمة الحاضر، والاستعداد للمستقبل.

 

الباحث / محمود حسين الشريدة

رئيس جمعية متحف الوهادنة للتراث الشعبي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة