المجاعة الأنيقة // بكر عبد الحافظ الخليفات

من العرف والجمال أن يواري الإنسان سوءته بما وهبه الله من لباسٍ وريشٍ يستران الجسد، وما حوى من جوعٍ وعطش. غير أن مواطني هذا الزمان—زمان الألفية الثالثة—قلبوا الآية، وغيروا وبدلوا، وخرقوا الناموس، وركنوا لباس التقوى جانباً. فكان أن استبدلوا نقاء الجوف بوقاحة الخارج، وقايضوا شبع الأحشاء وجوعها بجوع الوجاهة وسوءتها، ليتحول الستر على أيديهم من فضيلة تعفف إلى هندسةٍ اجتماعيةٍ كاذبة.
أجل يا سادة .. إننا نعيش في عصر ” المجاعة الأنيقة ” . حيث صار أكبر هم أحدهم أن يبدو لورداً غنياً في عيون الناس ولو على حساب بطنه أو بطون غيره فالقاعدة الأساسية أصبحت لديه :
(جوع البطن يا ولد … وتفشخر على البشر ) .
هكذا لخص مواطنو الألفية الثالثة فلسفتهم الجديدة . لقد قايض هؤلاء ستر الجوف بفضيحة المظهر ، فتجد أحدهم يتعطر بفرنسيٍ يفوح منه عبق البورجوازية، ويخبط الأرض بإيطاليٍ يلمع كأنه قطعة أثرية، ويلتف بجاكيتٍ بريطاني تظنه معه لوردا خرج للتو من ضباب لندن، وأصبح لساعة ” Big Ben ” من ضمن الجيران السبعة، في حين أن بطنه المسكين يعيش حالة تقشف لا تسر عدوا ولا صديقا. إنها التوليفة العجيبة حيث تجتمع فخامة عواصم الموضة الأوروبية في الخارج، مع مجاعة أفريقية منسية في الداخل .
فدعنا يا صاح نتأمّل في صاحبنا هذا “أبو البرستيج” . فلا جرم أنك ستراه يحدد لحيته بهندسة تفوق تخطيط المدن المتقدمة، ويسرح شعره بمادة هلامية تقف لها كل شعرة تؤدي التحية العسكرية لعابري الطريق، ويرتدي حذاءً يعكس أشعة الشمس المخفية ، ويقبض بيمينه على هاتف ذكي ذي ثلاث كاميرات، سعره كفيل بتسديد قسط احدى الجامعات الأهلية ، يجلس في المقاهي الفارهة، يطلب نرجيلة يحدد نكهتها مع كوب من القهوة المعقدة الاسم التي تحتاج لمترجم فهلوي لفك حروفها، ويرتشفه ببطء شديد لا من سخونته ، لكن لكي تمتد الجلسة لثلاث ساعات كاملة تمنحه أن يراقب فيها المارة بنظرة البرجوازي الذي يملك الدنيا في جيبه. لكنك لو فتشت في هذا الجيب المحجوب, لوجدته خاويا ، ولو تتبعته خلسة إلى بيته وفتحت باب ثلاجته ليلاً لردّت إليك بصرك خاسئاً ، لأنك لن تجد فيها سوى ضوء أصفر مسلط على بقايا نصف ليمونة جافة تعود لعهد حكومات سابقة.
وليت الحال يقف عند حد فرسان هذا الميدان، فبعض العائلات المعاصرة طورت جوع البطن ليصبح مؤسسة ترندية لإدارة المظاهر الفارغة. تجد رب الأسرة يئن تحت وطأة ثلاثة قروض، ورابع على الطريق ، من شركة تسهيلات ربوية، وكل هذه التضحيات التاريخية لكي يتسنى للعائلة الكريمة التقاط صورة “سيلفي” على شواطئ أنطاليا، أو لإقامة حفلة تخرج لابنهم “المنقذ” الذي اجتاز الثانوية العامة بمعدل خارق يؤهله لتخصص ” قاعد في البيت “. ومع ذلك، يجب أن تشهد الحفلة إطلاق ألعاب نارية مرعبة تظن معها حارة الجيران أن الحرب العالمية الثالثة قد اندلعت في زقاقهم، وأن قوات التحالف اقتحمت الحي …
ولو أبعدت النظر قليلاً، وعكست لك مرآة “أبو البرستيج” في حجمها الأكبر، لرأيت خلفها مسؤولاً يحمل لقب رنان في دولةٍ تئن تحت وطأة ديون صندوق النقد الدولي. تراه يترجل بكبرياء من سيارة فارهة تلمع تحت الشمس، بعد أن أنهى جولة من جولاته المكوكية غير المنقطعة في عواصم الدول المتقدمة ، ليرجو قرضاً يداوي به عجز الميزانية، أو ليحضر مؤتمراً يخطب فيه عن فضيلة التقشف” وضرورة شد الأحزمة. فلا شك عندك يا صاحبي أنك لو فتشت ثلاجة بلده لوجدتها هي تماماً كحال ثلاجة صاحبنا الأول “أبو البرستيج” المخضرم.
قديما يا صديقي .. كان العربي يموت على أن يستجدي ويسأل الناس، استعلاءً بعزة نفسه وتغطية لحاجته، واليوم يذبح المعاصر نفسه بالديون والأقساط والفوائد المركبة، فقط ليشتري مديحاً كاذباً وإعجابات وهمية على مواقع التواصل من أشخاص لا يحبونه أصلاً، بل وينتظرون زلته.
إن المفارقة المضحكة المبكية، أن الجوع الفطري الطبيعي يمكن مداواته برغيف خبز وكأس شاي دافئ ينهي الحكاية في دقائق معدودة، أما جوع الوجاهة فلو أطعمت صاحبه ميزانية دولة بأكملها بمؤسساتها وقروضها الدولية، لظلت أمعاء بريستيجه تقرقر طمعاً في المزيد ….
حمانا الله وإياكم من بطونٍ شبعت وجوعٍ في العقول استبدّ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة