مزارع الدواجن في جرش أمام مرحلة خسائر صعبة تهدد استمراريتها

جرش – تدفع الخسائر المتراكمة في قطاع الدواجن بمحافظة جرش المزارعين إلى اتخاذ إجراءات صعبة لتقليل كلف الإنتاج والحد من استنزاف رؤوس أموالهم، في ظل تراجع أسعار البيع إلى مستويات تقل عن كلفة الإنتاج، وفائض الكميات المعروضة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ويأتي ذلك وسط مخاوف من استمرار الأزمة لأشهر طويلة، بما يهدد استمرارية عدد من المزارع وفرص العمل المرتبطة بها.

وبينما يبلغ سعر بيع كيلوغرام الدجاج من أرض المزرعة نحو 85 قرشا، مقابل كلفة إنتاج تصل إلى 110 قروش للكيلوغرام الواحد، تتسع الفجوة بين ما ينفقه المزارع على التربية وما يحصل عليه عند تسويق إنتاجه، لتصل الخسارة إلى نحو 25 قرشا في كل كيلوغرام. وتضع هذه المعادلة المربين أمام خيارات صعبة، أبرزها تقليص أعداد الطيور، وخفض المساحات المستخدمة في التربية، والاستغناء عن جزء من العمالة، وصولا إلى إغلاق بعض المزارع التي لم تعد قادرة على تحمّل الأعباء المالية.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الخسائر المباشرة التي يتكبدها أصحاب المزارع، بل تمتد إلى دورة الإنتاج التالية، في ظل تردد المزارعين في إعادة تشغيل كامل طاقاتهم الإنتاجية خشية تكبّد خسائر إضافية. وينعكس ذلك على العمالة المرتبطة بالقطاع، وعلى قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على مواصلة العمل في سوق تتزايد فيه المنافسة وتتراجع فيه الأسعار.
وبحسب المتحدث باسم مزارعي الدواجن في جرش، إبراهيم عقيل، فإن القطاع يواجه مرحلة صعبة في ظل انخفاض أسعار البيع إلى ما دون كلف الإنتاج، موضحا أن المزارعين باتوا يتخذون إجراءات مباشرة لتقليل الخسائر، في مقدمتها خفض مساحات التربية وعدم تشغيل جميع “البركسات” المتاحة لديهم.
وأضاف أن بعض المزارعين الذين كانوا يعتمدون على بركسين أو ثلاثة لتربية الدواجن أصبحوا يكتفون بتشغيل بركس واحد، فيما اتجهت مزارع أخرى إلى الإغلاق، في محاولة لتقليل الالتزامات المالية وتجنب الاستمرار في إنتاج كميات إضافية لا تحقق عائدا يغطي النفقات.
كميات تتحول إلى عبء
وأكد عقيل أن هذه الإجراءات لا تعكس رغبة المزارعين في تقليص أعمالهم أو التخلي عن استثماراتهم، بقدر ما تمثل استجابة اضطرارية لواقع اقتصادي صعب؛ إذ لم تعد زيادة الإنتاج تعني بالضرورة زيادة الأرباح، بل أصبحت الكميات الإضافية عبئا ماليا عندما تُباع بأقل من كلفة إنتاجها.
وأوضح أن المزارعين يحاولون في المرحلة الحالية إعادة ضبط حجم الإنتاج بما يتناسب مع قدرتهم على تحمّل الخسائر، من خلال تخفيض أعداد الطيور التي يجري إدخالها إلى البركسات، وتقليل النفقات التشغيلية، ومراجعة احتياجات العمالة، إلى جانب اتخاذ إجراءات احترازية تهدف إلى المحافظة على استمرارية المزارع قدر الإمكان.
وأشار إلى أن استمرار البيع بأقل من كلفة الإنتاج يضع المزارع أمام خسارة تتكرر مع كل دورة تربية، في وقت يحتاج فيه إلى توفير الأعلاف والمياه والطاقة والأدوية والمستلزمات البيطرية، فضلا عن أجور العمال والنفقات التشغيلية الأخرى، وهي التزامات لا يمكن إيقافها بالكامل حتى عندما تتراجع الأسعار في السوق.
وتبرز وفرة الإنتاج بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه مزارعي الدواجن في جرش خلال الفترة الحالية. وأشار عقيل إلى أن إنتاج المحافظة خلال الشهر الحالي تجاوز مليون طير، وهي كمية كبيرة تزيد المعروض في الأسواق وتصعّب تسويق الإنتاج بأسعار تغطي كلفته.
وقال إن الكميات المتوافرة كبيرة، في وقت تشهد فيه الأسواق منافسة على البيع، الأمر الذي يضع المزارعين أمام ضغوط متزايدة لتصريف إنتاجهم، حتى عندما تكون الأسعار المعروضة أقل من الكلفة الفعلية التي تحمّلوها خلال فترة التربية.
كما أكد أن الإصابات الفيروسية والأمراض محدودة جدا، وفق ما يرصدونه في مزارعهم، وأن معظم الكميات المنتجة تتمتع بحالة صحية سليمة. وبحسب تقديره، فإن التحدي الأساسي الذي يواجه القطاع حاليا يرتبط بوفرة الإنتاج وضعف المردود المالي، وليس بوجود إصابات واسعة النطاق تؤدي إلى نفوق الطيور أو تراجع الكميات السليمة المعروضة للبيع.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يجد المزارعون أمامهم سوى مراجعة خطط التربية المقبلة؛ إذ إن إدخال أعداد كبيرة من الصيصان إلى البركسات يعني الالتزام بمصاريف جديدة تمتد طوال دورة التربية، من دون ضمان الحصول على سعر بيع يغطي هذه المصاريف عند وصول الدجاج إلى الوزن التسويقي.
وتزداد حساسية القرار لدى المزارع الذي يعتمد على التمويل أو يستعين بالتسهيلات المالية لتوفير احتياجات الإنتاج، لأن الخسارة لا تقتصر على هامش الربح المتوقع، بل قد تمتد إلى رأس المال المستخدم في الدورة، وتحدّ من قدرته على تمويل الدورة التالية.
وتظهر آثار الأزمة بوضوح في المزارع التي بدأت تخفض المساحات المستخدمة في التربية، إذ لم يعد تشغيل جميع البركسات خيارا اقتصاديا متاحا لبعض المربين، في ظل الفارق الكبير بين كلفة الإنتاج وسعر البيع.
تقليص الإنتاج والعمالة
ووفق عقيل، يتجه المزارعون إلى تقليل الكميات التي يربونها وعدم تشغيل كامل المساحات المتاحة، إلى جانب تخفيض أعداد العمالة، في محاولة للسيطرة على الخسائر والحد من النفقات التي يمكن تقليصها من دون التأثير في متطلبات الرعاية الأساسية للطيور.
وتعني هذه الإجراءات أن الأزمة بدأت تتجاوز الحسابات اليومية المتعلقة بسعر الكيلوغرام، لتصل إلى طريقة إدارة المزارع وحجم نشاطها وقدرتها على الاحتفاظ بالعاملين. فالمزرعة التي كانت تشغّل أكثر من بركس وتحتاج إلى عمالة تتناسب مع حجم إنتاجها قد تجد نفسها مضطرة إلى تقليص نشاطها، وبالتالي خفض احتياجاتها من العاملين.
ويواجه العمال بدورهم تداعيات هذا التراجع، إذ قد يحد تقليص حجم التربية من الحاجة إلى بعض الأعمال المرتبطة بتجهيز البركسات ومتابعة الطيور والخدمات التشغيلية، في حين يجد أصحاب المزارع صعوبة في المحافظة على مستوى العمالة نفسه مع تراجع الإيرادات واستمرار الالتزامات المالية.
ولا تعني إجراءات خفض التكاليف أن جميع النفقات قابلة للتقليص بالقدر نفسه؛ فالمزارع لا تستطيع الاستغناء عن متطلبات النظافة والتهوية والرعاية البيطرية والأمن الحيوي، لارتباطها المباشر بصحة الطيور وسلامة الإنتاج. ولذلك، تتركز محاولات التوفير على خفض حجم النشاط وأعداد الطيور التي يجري تربيتها، بدلا من الإخلال بالمتطلبات الأساسية التي تضمن سلامة الدواجن.
ومن هنا، تصبح إعادة تشغيل البركسات التي أُوقفت مرتبطة بتحسن ظروف السوق وقدرة المزارع على استعادة التوازن بين الكلفة وسعر البيع، لا بمجرد توافر المساحات أو الإمكانات الفنية اللازمة للتربية.
وفي هذا السياق، يقول المزارع محمود العجوري إن هناك تحديات مرتبطة بتراجع أسعار البيع وارتفاع الأعباء التشغيلية مقارنة بالعائد المتحقق من تسويق الإنتاج.
وأضاف العجوري أن المعضلة الأساسية أمام المزارعين تتمثل في أن كلفة التربية تُدفع تدريجيا على امتداد الدورة الإنتاجية، بينما يتحدد العائد النهائي عند البيع وفق السعر السائد في السوق. وعندما ينخفض السعر إلى 85 قرشا للكيلوغرام، مقابل كلفة تبلغ 110 قروش، يصبح كل كيلوغرام يُسوّق مصدرا لخسارة مباشرة، بصرف النظر عن حجم الجهد المبذول في التربية.
وأشار إلى أن قرارات التربية تصبح أكثر حذرا في هذه الظروف، إذ يغدو تقليل أعداد الطيور وسيلة للحد من حجم الأموال المعرّضة للخسارة، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع حجم النشاط والإيرادات الإجمالية للمزرعة.
وأكد أن صعوبة القرار تتضاعف لدى المزارعين الذين لديهم التزامات مالية ثابتة أو نفقات مرتبطة بصيانة المنشآت وتجهيز البركسات؛ لأن تقليص الإنتاج لا يلغي جميع المصروفات، بل يخفف جزءا منها فقط، فيما تبقى بعض الأعباء قائمة حتى مع انخفاض أعداد الطيور.
أما المزارع أحمد القادري، فيواجه، شأنه شأن بقية مربي الدواجن في جرش، واقعا تتداخل فيه وفرة المعروض مع تراجع القدرة الشرائية، بما يزيد الضغوط على أسعار البيع ويحد من قدرة المنتجين على تسويق الكميات بأسعار مجدية.
وأشار إلى أهمية القدرة الشرائية للمواطنين في تحديد حجم الطلب على الدواجن، بوصفها سلعة أساسية على موائد الأسر، لكنها تخضع أيضا لميزانيات العائلات والإنفاق المتاح لديها. ومع استمرار الظروف الاقتصادية الصعبة، قد ينمو الطلب بوتيرة أبطأ من زيادة الكميات المعروضة، ما يفاقم المنافسة بين المنتجين ويزيد الضغط على الأسعار.
وأكد القادري أن المزارع لا يستطيع، في المقابل، خفض سعر البيع إلى مستويات متدنية من دون تحمّل خسائر إضافية، خصوصا عندما تكون كلفة الإنتاج أعلى من السعر الذي يقبله السوق. لكنه قد يجد نفسه مضطرا إلى البيع لتصريف الإنتاج وتوفير جزء من السيولة اللازمة لتغطية التزاماته، بدلا من الاحتفاظ بكميات جاهزة للتسويق انتظارا لتحسن الأسعار.

 

 

 صابرين الطعيمات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة