الغور الشمالي.. 489 شابا وشابة يشقون طريق التدريب المهني لدخول سوق العمل

الغور الشمالي – في لواء الأغوار الشمالية، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية مع محدودية فرص العمل، ويبلغ عدد المستفيدين من صندوق المعونة الوطنية نحو 4400 مستفيد، يبرز التدريب المهني بوصفه مسارا لتمكين الشباب والشابات من اكتساب مهن عملية تساعدهم على دخول سوق العمل، وتنويع مصادر دخلهم، والانتقال من انتظار الوظيفة إلى العمل والإنتاج.
وفي هذا السياق، يستقطب معهد تدريب مهني المشارع، التابع لمؤسسة التدريب المهني في محافظة إربد، نحو 489 متدربا ومتدربة في تخصصات فنية وحرفية وخدماتية، تتيح لهم اكتساب مهارات يمكن توظيفها في سوق العمل أو البناء عليها لإقامة مشروعات صغيرة مدرّة للدخل.
وتكتسب هذه البرامج أهمية خاصة في منطقة يعتمد قطاع من سكانها على الزراعة والعمل الموسمي والأعمال اليومية، وهي أنشطة قد تتأثر بتقلبات الظروف الاقتصادية وتفاوت فرص التشغيل. ومن هنا، فإن اكتساب مهنة إضافية يمكن أن يسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز قدرة الأفراد على مواجهة الأعباء المعيشية، لا سيما في ظل محدودية الفرص المتاحة أمام بعض الأسر.
ويقدم المعهد مجموعة واسعة من البرامج المهنية التي تستهدف الشباب والشابات، وتتيح لهم اختيار تخصصات تتناسب مع اهتماماتهم وقدراتهم، وتفتح أمامهم آفاقا للعمل لدى المنشآت والورش، أو إقامة مشروعات خاصة، بما يعزز فرص الاعتماد على الذات وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
وتشمل التخصصات التي يقدمها معهد تدريب مهني المشارع الحلاقة الرجالية والنسائية، وصيانة الأجهزة الخلوية والهواتف الذكية، وميكانيك المركبات وصيانتها، بما في ذلك المركبات الخفيفة والسيارات اليابانية والصينية، إلى جانب التكييف والتبريد وصيانة أجهزة التكييف المنزلية.
إقامة مشروعات صغيرة
كما تضم البرامج الخياطة وتصميم العباءات والملابس، وتشغيل آلات الدرزة الصناعية، وصناعة المعجنات والحلويات والتدريب على مهام مساعد حلواني، فضلا عن التمديدات الكهربائية والصحية، والحدادة، والنجارة وصناعة الأثاث، وإدخال البيانات، ورعاية الأطفال والعمل الاجتماعي.
ويعكس هذا التنوع اتساع الخيارات المهنية المتاحة أمام المتدربين، إذ تجمع البرامج بين مهن تحتاج إليها الورش ومراكز الصيانة، وأخرى ترتبط بالخدمات اليومية، إلى جانب تخصصات يمكن أن تشكل أساسا لإقامة مشروعات صغيرة أو العمل بصورة مستقلة.
ففي تخصص ميكانيك المركبات وصيانتها، يكتسب المتدربون مهارات تتعلق بصيانة السيارات والتعامل مع أعطالها، فيما تتيح برامج صيانة الأجهزة الخلوية والتكييف والتبريد فرصا لتقديم خدمات يحتاج إليها الأفراد والمنشآت بصورة مستمرة.
أما تخصصات الحلاقة والخياطة وصناعة الحلويات، فيمكن أن تمنح الخريجين فرصة لتأسيس مشروعات خاصة وفق إمكاناتهم، سواء من خلال العمل من المنزل أو استئجار محل أو الالتحاق بمنشأة قائمة. وتتيح هذه الخيارات مسارا مهنيا قد يتطور تدريجيا مع اكتساب الخبرة وتوسيع قاعدة العملاء.
وفي المقابل، توفر تخصصات الكهرباء والتمديدات الصحية والحدادة والنجارة مهارات تطبيقية يحتاج إليها قطاع الصيانة والأعمال الإنشائية، بينما تفتح برامج إدخال البيانات ورعاية الأطفال والعمل الاجتماعي مجالات مختلفة ترتبط بالخدمات الإدارية والاجتماعية.
وبحسب متدربين، لا تقتصر أهمية هذه البرامج على تعليم مهنة بعينها، بل تشمل تعزيز الثقة بالقدرات الشخصية، وإتاحة فرص جديدة أمام الشباب والشابات، وتطوير مهارات يمكن البناء عليها في مراحل لاحقة من حياتهم المهنية.
وأضافوا أن الدور الذي يؤديه معهد تدريب مهني المشارع يؤكد أهمية توفير برامج تدريبية متنوعة تتلاءم مع احتياجات أبناء المنطقة، وتمنحهم فرصة الانتقال إلى سوق العمل بمهارات عملية. كما أشاروا إلى دور مدير المعهد، خالد المراشدة، في متابعة البرامج التدريبية والعمل على تعزيز الاستفادة منها في تأهيل الشباب والشابات.
وأشار المتدربون إلى أن أهمية التدريب المهني تكمن في ربط التأهيل بالواقع العملي؛ إذ لا يقتصر دور المعهد على تقديم المعرفة، بل يمتد إلى إعداد المتدربين لممارسة المهن واكتساب الخبرات التي يحتاجون إليها في بيئة العمل. وأكدوا أهمية تطوير البرامج والتخصصات بما ينسجم مع متطلبات السوق، وتعزيز قدرة المتدربين على الاستفادة من المهارات التي يكتسبونها لتحسين فرص تشغيلهم أو تأسيس مشروعات خاصة تتلاءم مع إمكاناتهم واحتياجات مناطقهم.
عدم استكمال الدراسة
وفي هذا السياق، تقول الناشطة الاجتماعية مها علي إن عددا من الفتيات في اللواء حالت ظروفهن المالية دون استكمال دراستهن الثانوية، إلا أن المركز أسهم في فتح آفاق المعرفة والتواصل أمامهن، بما يساعدهن على تحقيق أحلامهن في العمل.
وأضافت علي أن المركز يقدم دورات للفتيات ذوات الإعاقة، تشمل تعليمهن مهارات الطباعة والرسم والتصوير، بهدف مساعدتهن على دخول سوق العمل. وأشارت إلى أن المركز يعمل على صرف بدل للمواصلات للمتدربات القادمات من مناطق أخرى، بما يشجعهن على الاستمرار في التدريب.
ويؤكد الشاب محمد الرياحنة أن التحاقه بالمركز جاء بعد صعوبة العثور على فرصة عمل، لافتا إلى أن التدريب العملي ساعده على اكتساب مهارات لم يكن يمتلكها سابقا، وجعله أكثر ثقة بقدرته على دخول سوق العمل أو افتتاح مشروعه الخاص مستقبلا.
من جهته، يقول الشاب سامر قويسم إن ما يميز المركز هو التركيز على التطبيق العملي داخل الورش، الأمر الذي يجعل المتدرب قريبا من بيئة العمل الحقيقية، ويكسبه خبرة يحتاج إليها أصحاب العمل عند التوظيف، خصوصا في مجال العمل الزراعي.
أما المتدربة كوثر علي، فتؤكد أنها استطاعت تجاوز الظروف الاجتماعية التي حالت دون استكمال دراستها، مشيرة إلى أن المركز ساعدها، إلى جانب كثير من الفتيات، على السعي لتحقيق أحلامهن من خلال الانخراط في سوق العمل. وأضافت أن ذلك يتيح للفتاة أن تكون منتجة ومبدعة، وأن تقف إلى جانب الرجل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها سكان اللواء.
ويعود افتتاح معهد تدريب مهني المشارع إلى عام 1986، ويبلغ عدد المتدربين والمتدربات فيه نحو 489، من بينهم 70 فتاة.
وتبرز هذه التجربة أهمية التدريب المهني في توفير مسارات عملية للتأهيل والعمل، خصوصا للفئات التي تواجه عوائق مالية أو اجتماعية تحول دون استكمال التعليم أو الحصول على فرص عمل تقليدية. كما تسلط الضوء على دور البرامج التطبيقية في إكساب المتدربين مهارات يمكن أن تساعدهم على تحسين ظروفهم المعيشية وتعزيز مشاركتهم الاقتصادية.

