القط اللعوب // سعيد ذياب سليم

كنت مستغرقًا في قراءة رواية من الشرق البعيد، تدور حول رجل في منتصف العمر يقرر البحث عن فتاة يتزوجها، بعد سنوات من وفاة زوجته، كان قد تفرغ خلالها لتربية طفله. رواية نفسية قاتمة، كادت فيها الفتاة التي وقع في حبها أن تقتله، بعد أن تعلق بها مثل شاب في مقتبل العمر، أمضيا معًا سهرات باذخة، لكنه —فجأة— انتهى بقدم مبتورة، وهي جثة هامدة.
عندما بعث لي صديقي رسمًا كاريكاتيريًا ساخرًا، ينقسم إلى مشهدين متقابلين على رصيف شارع:
على الجانب الأيسر، تقف امرأة أنيقة ذات مظهر ثري، تحمل حقيبة يد فاخرة، وتدفع عربة أطفال بها طفل واحد يبدو في رفاهية.
وعلى الجانب الأيمن، تقف امرأة مسنّة فقيرة، ترتدي ثوبًا ممزقًا وغطاء رأس أبيض، تحمل على ذراعها رضيعًا، ويحيط بها ثلاثة أطفال صغار بثياب رثة، تظهر عليهم علامات البؤس والجوع، وهم بجانب حاوية قمامة، يستجدون المارة.
والمفارقة في الصورة أن المرأة الثرية تمد يدها نحو الفقيرة، لا بمال أو طعام، بل بشريط «حبوب منع الحمل».
دار بيني وبين صديقي حولها حوار طريف، تدرج بين النقد والسخرية والبحث عن الأعذار.
عندها تذكّرته.
كان كالقط في تجواله الليلي؛ كل ليلة مغامرة، وفي كل مغامرة امرأة. وكانت بعض مغامراته تنتهي بزواج.
بدأ ببيت واحد، ثم بيتين، فثلاثة، حتى أتقن اللعبة. بعد ذلك صرنا نحصي له مشاكله، ثم أُدرج اسمه في قوائم الرعاية الاجتماعية؛ فأبناؤه بين مريض عاجز، وطالب يبحث عمّن يرعى دراسته، وطليقة تبحث عن سقف بيت يحميها.
جلس أخيرًا يسرد بطولاته، ويستدفئ بجمرات خبا وهجها.
لم يكن شريرًا بالمعنى التقليدي لكلمة شرير. فهو رجل كريم، خلوق، يحبه أصدقاؤه. لكنه، في نظره ونظر أصدقائه، لم يكن يفعل أكثر من رجل يحب النساء، وقد وضع لنفسه قانونًا خاصًا، يتمتع في ظله بحرية كاملة، في حدود ما يسمح له المجتمع أن يفعله.
هل كان يبحث عن نمط معين من النساء؟ كأي شخص اهتم بالقصص البوليسية، أو الرحلات، أو الأطباق الطائرة، مثلًا؟
هل يختلف كثيرًا عن جامع الفراشات؟
ذاك يجذبه انطلاقها، وانحناءات أجنحتها، وألوانها النارية، وما تحمله من بقع دائرية. يلاحقها بشبكته حتى يمسك بها، ثم يغرز في صدرها دبوسًا، ويضعها على لوحة خشبية، يطل عليها من خلف زجاج من وقت إلى آخر، كأنها مومياوات في توابيتها.
لكن ما الذي يجذب هذه الفراشات حتى تدور حوله، وتقع في شبكته؟ لا تقل البحث عن الحب؛ إنه الجهل، لا شيء غيره.
أما صديقي الذي أثار الموضوع، فاكتفى من ترف المتعة بزوجة واحدة وطفلين. تراه، بعد أن مرت السنوات وكبر الأولاد ورحل الصيف، كالطيور المهاجرة؛ يسلم جناحيه للريح بخفة ورشاقة، وينظر من عالٍ، يراقب زرقة البحر ودفء الشمس بسعادة.
أما ذلك القط، فكانت زوجته الأولى تسمع —مثلنا— عن مغامراته. عاشت بصمت، لكنها أحاطت نفسها بأبناء وبنات كثر، ظنًّا منها أن كثرة الأبناء ستدفعه إلى العودة إلى أسرته بعد كل مغامرة.
لكنها كانت مخطئة.
ماتت بصمت.
وأحسنت تربية أبنائها؛ فهم من يرعون اليوم ذلك القط في شيخوخته.
زوجته الثانية شابة مرحة، مضيافة، اجتماعية. ولدت له طفلين، أحدهما يعاني من إعاقة حركية. ضاقت بهما الدنيا، حتى طلقها.
أراها تقود ولدها، وتضع إصبعه على الحرف، حتى أصبح رجلًا.
والثالثة ترسل المراسيل، تتوسل بعض الحقوق لها ولأبنائها، حتى إن حكايتها أصبحت من نوادر السمر.
أما لماذا أرسل لي صديقي ذلك الرسم؟
فهو يتعهدني من وقت لآخر. يخشى عليّ أن ألحق بقطيع «بارنوخ»؛ الخراف التي ألقت بنفسها في البحر، تتبع بعضها بعضًا. فهو دائمًا ينظر إليّ من نافذته الغربية، ويرى فيّ ذلك الكبش الذي سيفعلها لا محالة.
لعل أخطر الألعاب ما نمارسه في خريف العمر.
فهل أفعلها؟
سعيد ذياب سليم

