جرش.. كيف يعيد مركز ترميم الآثار الحياة للموروث الثقافي؟

جرش- فيما يشكل مركز صيانة وترميم الآثار في محافظة جرش أحد أبرز المراكز الفنية المتخصصة والواعدة في صون الموروث الثقافي الأردني والحفاظ عليه، تتطلع دائرة الآثار العامة إلى تطوير دوره الإستراتيجي ليصبح صرحا رائدا في مجال الصيانة والترميم على مستوى منطقة الشرق الأوسط والإقليم، بالتوازي مع رفعه لكفاءة كوادره الفنية والبشرية وتوسيع نطاق برامجه التدريبية والبحثية.
من الفكرة إلى الرعاية الملكية
تعود انطلاقة المركز الإقليمي إلى أيلول عام 2024، عندما دشنت أعماله برعاية ملكية سامية من جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، سبقتها جهود حثيثة ومراحل متعددة من التخطيط والتنفيذ بدأت من اختيار الموقع وصولا إلى بناء القدرات البشرية والتجهيزات المخبرية.
ويوضح مدير عام دائرة الآثار العامة، الدكتور فوزي أبو دنة أن مركز صيانة وترميم الآثار في محافظة جرش يعد من أبرز المراكز المتخصصة في صون الموروث الثقافي الأردني من خلال الاعتماد على منهجية علمية دقيقة ومتكاملة في التعامل مع مختلف أنواع اللقى والمواد الأثرية والمواقع والعناصر المعمارية والأرضيات الفسيفسائية والرسومات الجدارية.
ويضيف أن المركز نجح منذ بدء أعماله الفعلية في تنفيذ حزمة من مشاريع الصيانة والترميم الاحترافية في مختلف أرجاء المملكة، شملت مواقع وحزما من القطع الأثرية المتنوعة، لافتا إلى أن إجمالي ما تم صيانته وترميمه يقارب 100 قطعة وموقع أثري، موضحا أن حجم الأعمال المنجزة يعد إنجازا مهما وبارزا إذا ما أخذت بالاعتبار الفترة الزمنية وجسامة ودقة الأعمال والتقنيات المطبقة.
ويبين أبو دنة أن المرحلة الأولى تمثلت في اختيار مبنى سرايا الشرطة التراثي في جرش ليكون المقر الدائم والرئيسي للمركز الإقليمي للصيانة والترميم، إذ جرى توثيق الموقع وإعداد خطة عمل إستراتيجية لإنشائه، مع وضع خيارات وتصاميم حديثة تلائم طبيعة المبنى ووظيفته التراثية، موضحا أن هذه المرحلة شملت إعداد هيكلية جديدة للمعهد لإدراجه رسميا ضمن هيكلية دائرة الآثار العامة، ودراسة النفقات التشغيلية والإدارية والتنسيق مع وزارة المالية لتخصيص موازنة سنوية له تمهيدا لبدء أعمال التأهيل الشاملة. ويشير إلى أن دائرة الآثار العامة باتت تعتمد على المركز كمرجع استشاري وفني رئيسي لكافة أعمال الصيانة والترميم، مشيدا بالدور الذي اضطلع به مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع “UNOPS” الذي أشرف على استلام الأجهزة والمعدات الخاصة بالمختبرات العلمية وورش العمل والتي تعد من أجود وأرقى الأنواع المستخدمة عالميا في هذا المجال بالتعاون مع لجنة استلام متخصصة ضمت ممثلين عن دائرة الآثار العامة ومديرية آثار جرش ووزارة المالية وديوان المحاسبة.
إنجازات وبناء القدرات
وينوه أبو دنة إلى أن الرؤية التشغيلية للمركز لم تقتصر على البنية التحتية فقط، بل امتدت لتشمل بناء الكوادر البشرية الوطنية، إذ تم اختيار 15 متدربا من كادر دائرة الآثار العامة لتدريبهم على صيانة وحفظ القطع الأثرية الفخارية والمعدنية والزجاجية والمواد العضوية وصيانة وتدعيم القطع الحجرية والفسيفسائية والرسومات الجدارية.
ويؤكد أن المركز أثبت نجاحه من خلال التعامل مع مشاريع نوعية، إذ أنجزت أعمال صيانة وترميم لجزء من المصلبة الجنوبية إلى جانب صيانة أرضية الفسيفساء في كنيسة الجسر داخل موقع جرش الأثري، إضافة إلى ترميم سراج برونزي أثري من موقع بيت راس، وجرة فخارية تعود إلى الفترة الإسلامية من مقتنيات الديوان الملكي الهاشمي.
ويلفت إلى أن أعمال المركز لم تنحصر في حدود محافظة جرش فقط، بل تعامل مع قطع أثرية كانت مخزنة في المستودعات أو معروضة في المتاحف، بالإضافة إلى استقبال قطع أثرية من مديريات الآثار في محافظات العاصمة عمان وإربد وعجلون ومعان والعقبة ما يعكس الشمولية والنطاق الوطني الشامل لنشاطه، مبينا أن المركز يشرف حاليا على مشروعين الأول يهدف إلى صيانة وترميم وتأهيل جزء من سور جرش الأثري، والثاني يستهدف بناء سجل وطني شامل للملاط المستخدم في أعمال الصيانة والترميم للمواقع الأثرية في المملكة.
ويوضح أن المركز يضم حاليا كادرا فنيا مؤهلا مكونا من عدد من المتخصصين في الآثار والصيانة والترميم والهندسة والكيمياء يقومون بالإشراف على البرامج التدريبية المعتمدة، لافتا إلى أن المركز نجح في توفير 14 فرصة عمل مؤقتة عبر مشاريعه القائمة وسط تطلعات إلى توفير فرص عمل دائمة ومستقبلية لخريجي تخصصات الآثار والترميم من أبناء المجتمع المحلي في جرش.
ويؤكد أبو دنة أن المملكة تعتمد بالكامل على الكفاءات والكوادر الأردنية التي تمتلك مؤهلات علمية وفنية عالية تلبي الاحتياجات الميدانية، دون الحاجة للجوء إلى خبراء أجانب للإشراف التشغيلي، مبينا أن عدد المستفيدين من البرامج التي ينفذها المركز لموظفي دائرة الآثار العامة بلغ نحو 85 متدربا، مع التركيز الكامل على التطبيق العملي والميداني على قطع أثرية حقيقية.
وعلى مستوى التعاون الأكاديمي والتنموي، يوضح أن المركز يفتح أبوابه لشراكات ممتدة مع الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك والجامعة الهاشمية وعدد من المؤسسات والمنظمات الدولية كالوكالة الإيطالية للتنمية والمعهد الفرنسي ومنظمة “أركس آرشي” للثقافة والتنمية وجامعتي “روما تري” الإيطالية و”ليون” الفرنسية، لافتا إلى أنه يجري العمل على إنشاء موقع إلكتروني متخصص للمركز لإتاحة التقارير والأبحاث والأعمال المنجزة للجمهور وللباحثين عالميا لتثبيت مكانة الأردن كمركز إقليمي للحفاظ على التراث الإنساني.
بيئة علمية متكاملة وتقنيات معالجة حديثة
يحتضن المركز مختبرات علمية متقدمة، تتنوع بين مختبر التوثيق المجهز بأحدث التقنيات الرقمية، ومختبر العلوم الذي يضم أجهزة دقيقة للفحص والتحليل وإعداد المواد الكيميائية والمحاليل اللازمة للتطبيقات الترميمية.
ويؤكد مدير عام الآثار أن القطعة الأثرية داخل المركز تخضع لخطوات منظمة ومحكمة، تبدأ في مختبر التوثيق بإجراء التوثيق الوصفي والتقني والتقاط صور احترافية عالية الدقة، واستخدام تقنيات التوثيق ثلاثي الأبعاد 3D، قبل أن يتم نقلها إلى مختبر الصيانة والترميم لوضع إستراتيجية المعالجة بالتشاور مع مختبر العلوم، وصولا إلى استخدام وسائل حديثة مثل التنظيف بالليزر أو القذف الرملي أو الترطيب بالبخار والتعقيم باستخدام غاز النيتروجين ومن ثم إعادة القطع إلى مختبر التوثيق لإصدار سجل رقمي نهائي يوثق كافة المراحل قبل المعالجة وبعدها.
وحول التحديات والتطلعات، يشير الدكتور أبو دنة إلى أن المركز يواجه بعض الاحتياجات التشغيلية التي تسعى الدائرة لتجاوزها، وفي مقدمتها الحاجة إلى رفد المركز بكوادر إضافية، وتحديث أجهزة الفحص والتحليل لتغطية نطاق أوسع من التحاليل المعقدة، بالإضافة إلى تجاوز عقبات استيراد وتأمين بعض المواد الكيميائية والمستهلكات الأجنبية المخصصة للترميم من الخارج، منوها إلى أن موازنة المركز تغطيها المخصصات السنوية المباشرة لدائرة الآثار العامة بناء على احتياجات المشاريع والبرامج المعتمدة.

