أمراض القمه.. // د. باسم القضاة

هناك مرض يصيب شجرة الموز، يبدأ من القمّة، ثم ينساب إلى أسفلها، ويلتف حولها بنموّ أخضر رقيق، حتى يبدو للناظر أن الشجرة ما زالت تنمو، بينما المرض يتسلّل في أجزائها بصمت.
تلك النبتة الخضراء الرقيقة تشبه الشباب؛ يلتفون حول القمّة، ويصعدون بأحلامهم وطموحاتهم، لكنهم قد يجدون أنفسهم أسرى منظومة لا تسمح لهم بالنمو إلا في الاتجاه الذي ترسمه لهم.
أما البقع الخضراء الداكنة التي تنتشر على الأوراق، فتشبه الفساد حين يتغلغل في مفاصل المجتمع، فيختلط لون العافية بلون المرض، ويصبح من الصعب على العين أن تميّز بينهما.
وفي أسفل الشجرة، تقف الفروع الضعيفة والمنحنية، التي أثقلها الحمل حتى كادت تنكسر؛ تلك هي الطبقة العاملة والفئات الضعيفة، التي تحمل أعباء الحياة، وتدفع ثمن اختلالات لم تكن شريكًا في صنعها.
وكلما اشتد المرض، ازداد ضعف الفروع، وبهتت الأوراق، بينما ظلت القمّة تتشبث بموقعها، وكأن سلامة الشجرة تُقاس ببقاء القمّة، لا بقدرة الجذع على الصمود ولا بحياة الفروع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان المرض قد استقر في القمّة، فهل يكفي أن نعالج الأوراق، ونقوّي الفروع، ونطالب الجذع بمزيد من الاحتمال؟
في منطق الاستعارة، لا بد من معالجة مصدر المرض، مهما كان موقعه؛ فالشجرة لا تُشفى بتجميل أعراضها، ولا يستعيد المجتمع عافيته ما دام الفساد الذي ينهكه محصّنًا من المساءلة.
ومع ذلك، ثمة فرق بين قطع القمّة وقطع الشجرة كلها؛ فالمقصود ليس تدمير الشجرة، بل إنقاذها، وإزالة موضع المرض، وإتاحة الفرصة لنموّ سليم لا يحتكر فيه أحد الضوء، ولا تُترك فيه الجذور والفروع للموت عطشًا.
فالأوطان ليست قممًا تحكمها، بل أشجارًا لا تستحق الحياة إلا إذا امتدت جذورها في العدالة، وتوزّع خيرها على الجميع. وعندما تُستعاد الموازنة بين القمّة والجذور، وبين القرار ومن يتحمّل تبعاته، تبدأ الشجرة في استرداد عافيتها. عندها لا يعود التغيير اقتلاعًا أعمى، بل يصبح إنقاذًا واعيًا يفتح الطريق أمام نموّ جديد، تُقاس فيه قوة الوطن بسلامة أجزائه كلها، لا بصلابة قمّته وحدها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة