حين تفقد ابنك وهو حي // : عمر الدريني

ليست كل خسارة موتًا؛ فبعض العلاقات تبتعد بينما يظل أصحابها يتبادلون السلام تحت سقف واحد

ثمة خسارات لا تُعلنها نشرات الوفيات، ولا تستدعي مراسم عزاء، ولا يتلقى أصحابها رسائل المواساة، خسارات تحدث في البيوت بهدوء، حين يظل الأب حيًا، ويظل ابنه حيًا، لكن شيئًا عميقًا بينهما يتراجع حتى يكاد يختفي، يلتقيان، ويتحدثان عند الضرورة، وربما يجلسان إلى المائدة نفسها، غير أن العلاقة التي كانت تمنح الأب شعورًا بالدفء تتحول إلى حضور جسدي لا تسنده المودة التي كان يرجوها،
إنها صورة مؤلمة، لكنها ليست حكمًا على الابن بأنه انتهى، ولا دعوة إلى اليأس منه، إنها وصف لحالة يشعر فيها الأب أن المسافة بينه وبين ابنه أصبحت أكبر من قدرته على ردمها وحده، يعرف أن ابنه موجود، ويعرف أنه يستطيع الاتصال به أو رؤيته، لكنه لم يعد يجد في العلاقة ذلك الاطمئنان الذي كان يتوقعه من أقرب الناس إليه.
ربما بدأت الحكاية بخلاف صغير، كلمة قاسية قيلت في لحظة غضب، أو نصيحة رُفضت بطريقة جارحة، أو وعد لم يُنفذ، أو موقف انتظر فيه الأب أن يقف ابنه إلى جانبه فلم يجده، ثم تكررت المواقف، وتراكم العتاب، وأصبح كل طرف يفسر تصرفات الآخر من خلال ذاكرة مليئة بالخلافات، الأب ينتظر مبادرة تعيد إليه الشعور بالتقدير، والابن ينتظر أن يتوقف أبوه عن اللوم، وبين الانتظارين تمر الأيام من دون أن يتقدم أحد خطوة حقيقية نحو الآخر.
ومع مرور الوقت، قد يصبح الصمت هو اللغة الأكثر استخدامًا في البيت، لا يعود الأب يسأل كثيرًا حتى لا يسمع ردًا يؤلمه، ولا يعود الابن يقترب حتى لا يدخل في نقاش لا يرغب فيه، يظن كل منهما أنه يتجنب المشكلة، بينما المشكلة نفسها تكبر في المساحة التي تركها غياب الحوار.
لكن هل يعني ذلك أن العلاقة انتهت؟ ليس بالضرورة، فالإنسان قد يبتعد لأنه غاضب، أو لأنه عاجز عن التعبير، أو لأنه يحمل جرحًا لم يجد فرصة لمعالجته، وقد يبدو الابن قاسيًا بينما يخفي داخله مشاعر لا يعرف كيف يواجهها، كما قد يبدو الأب صامتًا لأنه تعب من المحاولة، لا لأنه توقف عن المحبة، ولهذا، فإن الحكم النهائي على العلاقات من ظاهرها قد يظلم أصحابها، ويغلق أبوابًا كان يمكن أن تبقى مفتوحة،
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الأمل إلى تبرير دائم، فالمحبة وحدها لا تصلح كل شيء إذا لم يصاحبها احترام متبادل، والقرابة لا تمنح أحدًا الحق في الإيذاء، والتسامح لا يعني أن يقبل الإنسان الإهانة إلى ما لا نهاية، قد يظل الأب يحب ابنه، لكنه يحتاج إلى وضع حدود واضحة للسلوك الذي يجرحه، وقد يظل الابن محتفظًا بمحبته لأبيه، لكنه يحتاج إلى التعبير عن اعتراضاته بطريقة لا تهدم العلاقة ولا تسلب الطرف الآخر كرامته.
والأبوة ليست امتيازًا يمنح الأب حق السيطرة على حياة ابنه، كما أن البنوة ليست عبئًا يفرض على الابن إلغاء شخصيته، العلاقة الناضجة تقوم على الاعتراف بأن لكل طرف مشاعره وحقوقه ومسؤوليته عن أفعاله، يستطيع الابن أن يختار طريقه، وأن يختلف مع أبيه، وأن يرفض ما لا يناسبه؛ لكنه مسؤول عن الطريقة التي يعبر بها عن ذلك، ويستطيع الأب أن يراجع أسلوبه، وأن يعترف بأخطائه، وأن يمنح ابنه مساحة للنمو دون أن يتخلى عن حقه في الاحترام.
وربما تكون الخطوة الأولى نحو المصالحة أبسط مما نتخيل،لا تحتاج إلى خطاب طويل، ولا إلى استعادة كل تفاصيل الماضي في جلسة واحدة، قد تبدأ بسؤال صادق: «ما الذي حدث بيننا؟»، ثم يأتي دور الاستماع، لا بهدف تجهيز الرد، بل لفهم ما ظل عالقًا في قلب الطرف الآخر، وقد يحتاج كل منهما إلى الاعتذار عن كلمات أو تصرفات أسهمت في توسيع المسافة.
لكن هناك حقيقة ينبغي ألا نتجاهلها: ليس كل جرح يلتئم فورًا، وليس كل اعتذار يعيد العلاقة إلى ما كانت عليه، بعض الثقة تحتاج إلى وقت، وبعض الوعود تحتاج إلى أفعال تثبت صدقها، وبعض العلاقات تحتاج إلى مساعدة مختص عندما تتراكم فيها الخلافات أو يصبح الحوار مستحيلًا، المهم ألا يكتفي الطرفان بتبادل عبارات المصالحة، ثم يعودان إلى السلوك الذي أوصلهما إلى القطيعة العاطفية،
وللأبناء أن يتذكروا أن آباءهم ليسوا محصنين ضد الوحدة، وأن قدرتهم على التحمل لا تعني أنهم لا يتألمون، كما أن على الآباء أن يتذكروا أن أبناءهم لا يملكون بالضرورة الأدوات نفسها للتعبير عن المشاعر أو معالجة الخلافات، وبين هاتين الحقيقتين توجد مساحة واسعة يمكن أن تنمو فيها علاقة أكثر نضجًا، إذا توافرت الرغبة الصادقة في الإصلاح،
لا تنتظروا أن يصبح الأب ذكرى كي تكتشفوا أن صوته كان يملأ البيت، ولا تنتظروا أن يتحول الابن إلى غريب كي تعترفوا بأن المسافة بينكما كانت تحتاج إلى خطوة شجاعة.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة ثانية بالصورة التي نتمناها، وقد لا نستطيع إعادة السنوات التي مضت، لكننا نستطيع أن نغيّر الطريقة التي نعيش بها ما تبقى، إذا كان بينك وبين أبيك عتاب، فابدأ بحوار يحفظ كرامتك وكرامته، وإذا كان بينك وبين ابنك جرح، فلا تجعل كبرياءك يمنعك من محاولة فهمه، ولا تجعل حبك يعميك عن السلوك الذي يحتاج إلى تصحيح.
ليس الهدف أن يعود كل شيء كما كان؛ فقد تتغير العلاقات مع الزمن، وقد يكتشف الطرفان أن عليهما بناء علاقة مختلفة وأكثر اتزانًا، الهدف ألّا يتحول الخلاف إلى حكم مؤبد، وألّا يصبح الصمت بديلًا دائمًا عن الكلام، وألّا يكتشف أحدهما متأخرًا أن فرصة الإصلاح كانت أقرب مما ظن.
فأقسى ما في فقدان الابن وهو حي ليس المسافة وحدها، بل أن يعتاد الأب هذه المسافة حتى يتوقف عن محاولة تقليصها، وأجمل ما يمكن أن يحدث، في المقابل، أن يمد أحدهما يده قبل أن يصبح الصمت عادةً لا يعرفان كيف يخرجان منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة