حقول الزيتون.. موسم يجمع العائلات ويجدد حكايات الأرض

جرش- في قرى المملكة وبلداتها التي تنتشر فيها أشجار الزيتون، تتجدد مع بدء موسم القطاف طقوس اجتماعية توارثتها العائلات جيلا بعد جيل، لتبقى هذه المناسبة أكبر من مجرد موسم زراعي لجمع الثمار وإنتاج الزيت. ففي محافظة جرش، كما في مناطق أردنية أخرى تشتهر بزراعة الزيتون، تتحول الحقول إلى ملتقيات عائلية تجمع الآباء والأبناء والأحفاد، فيما تستقبل المعاصر المزارعين الذين ينتظرون خروج الزيت الجديد لتذوقه مع خبز الطابون والشراك العربي واللبنة والزعتر البلدي، في عادات تستحضر ذكريات الأجداد وتحافظ على تفاصيل من الحياة الريفية القديمة.
وتبدأ هذه الطقوس مع توجه العائلات إلى الحقول منذ ساعات الصباح، حيث يتوزع أفرادها بين قطف الثمار وجمعها وفرزها وتجهيزها للنقل إلى المعاصر، وإعداد الطعام والمشروبات في مشهد تتداخل فيه رائحة الزيتون بأصوات أفراد الأسرة ودفء النار المشتعلة تحت أواني الطعام وفناجين القهوة التي تدور بين الحاضرين.
ولا ينتهي يوم الزيتون بانتهاء القطاف، إذ ينتظر المزارعون وأصحاب الأشجار مرحلة العصر التي تحمل بدورها عادات متوارثة، أبرزها الوجود في المعاصر لمتابعة خروج الزيت الجديد وتذوقه مباشرة، في لحظة يصف فيها كبار السن أولى القطرات بأنها “قطرات الخير”، لما تحمله من دلالات الرزق والبركة، بعد موسم من العناية بالأشجار وخدمة الأرض وانتظار نضج الثمار.
خبز الطابون والمونة البلدية ترافق العائلات
ويحرص بعض المزارعين على اصطحاب خبز الطابون أو خبز الشراك العربي، إلى جانب اللبنة والزعتر البلدي، لتناولها مع الزيت الطازج، فيما تتحول المعاصر خلال هذه الساعات إلى أماكن للقاء وتبادل الأحاديث بين أصحاب المحاصيل وأفراد أسرهم، الذين يتابعون عملية العصر ويتذوقون إنتاج الموسم الجديد، قبل نقله إلى المنازل وتخزينه للاستهلاك على مدار العام.
وفي قرى وبلدات محافظة جرش، يستعيد موسم الزيتون مكانته بوصفه مناسبة عائلية واجتماعية لا تقل أهمية عن كونه موسما زراعيا، إذ تتجه العائلات إلى حقولها منذ ساعات الصباح، مصطحبة الأبناء والأحفاد، فيما يلتحق بها أفراد الأسرة الذين تقودهم ظروف العمل والسكن إلى محافظات أخرى أو مناطق بعيدة، ليشاركوا ذويهم هذه الأيام التي تحمل في تفاصيلها معاني الانتماء إلى الأرض والعائلة والذاكرة الشعبية.
وعلى الرغم من تغير أنماط الحياة، واتساع المسافات بين أفراد الأسرة الواحدة، وانشغال الأبناء بأعمالهم والتزاماتهم اليومية، فإن موسم الزيتون ما يزال يوفر فرصة للالتقاء بعيدا عن أعباء الحياة اليومية، حيث تتحول ساعات القطاف إلى مساحة للتعاون وتبادل الأحاديث واستعادة الحكايات القديمة، بينما تتولى النساء إعداد الطعام على الحطب، في مشهد يعيد إلى الذاكرة صورة الحياة الريفية التي ارتبطت فيها الأرض بالأسرة والعمل بالمحبة والتكافل.
ويقول الثمانيني علي عبد الحميد العياصرة إن موسم الزيتون بالنسبة إلى أبناء القرى الجرشية أكبر من مجرد أيام لجمع الثمار، فهو موسم له طقوسه التي اعتادت عليها العائلات منذ سنوات طويلة، وارتبطت بذاكرتهم منذ الطفولة، حين كان أفراد الأسرة يتوجهون معا إلى الحقول، ويقضون نهارهم بين الأشجار قبل أن يجتمعوا حول الطعام الذي يعد على الحطب.
اصطحاب الأطفال والأحفاد إلى الحقول
ويستعيد العياصرة ذكرياته مع مواسم الزيتون القديمة، مشيرا إلى أن العمل في الحقل كان يجمع العائلة بأكملها، فلكل فرد دور يؤديه، سواء في فرش الشوادر تحت الأشجار، أو جمع الثمار المتساقطة، أو التقاط حبات الزيتون عن الأغصان أو نقل المحصول إلى أماكن تجميعه. ولم تكن هذه الأعمال تقاس بمقدار ما ينجزه الفرد وحده، بقدر ما كانت تعكس روح التعاون التي تميز الحياة الريفية.
ويضيف أن كبار السن كانوا يحرصون على اصطحاب الأطفال والأحفاد إلى الحقول، حتى يتعلموا كيفية التعامل مع أشجار الزيتون، ويتعرفوا إلى مواسمها وطرق العناية بها، ويكتسبوا عادات العمل الجماعي التي نشأ عليها آباؤهم وأجدادهم. وكان الصغار ينتظرون هذه الأيام لما تحمله من أجواء مختلفة عن الروتين اليومي، إذ تتحول الأرض إلى مكان يجتمع فيه الأقارب، وتصبح ساعات العمل فرصة للتعلم والاستماع إلى الحكايات التي يرويها الكبار.
ويشير إلى أن أكثر ما يميز هذه الأيام هو اجتماع أفراد العائلة حول مائدة واحدة في الهواء الطلق، بعدما يقضي الجميع ساعات في القطاف، إذ لا يكتمل يوم الزيتون من دون الطعام الذي يحضر على الحطب، ورائحة القهوة والشاي والأحاديث التي تمتد بين أفراد الأسرة والجيران.
ويجد كبار السن في هذه اللقاءات مناسبة للاطمئنان إلى الأبناء والأحفاد، فيما يتعرف الصغار إلى أقاربهم وتترسخ بينهم روابط قد لا تتاح لهم فرصة تعزيزها خلال بقية العام.
موعد يجمع بين العمل والفرح
ولا تنفصل هذه الصورة عن مشهد الجيران الذين يتشاركون أحيانا العمل في الحقول المتجاورة، ويتبادلون المساعدة عند الحاجة، في ظل علاقات اجتماعية اعتادت عليها القرى والبلدات، حيث لا يتوقف التواصل عند حدود ملكية الأرض بل يمتد إلى تبادل الطعام والمشاركة في تفاصيل الموسم.
ويقول مزارع الزيتون أمجد الريموني إن موسم القطاف يمثل بالنسبة إلى كثير من العائلات موعدا يجمع بين العمل والفرح، فالأرض التي تحتاج إلى جهود متواصلة لجمع محصولها تصبح خلال هذه الفترة نقطة التقاء لأفراد الأسرة، ولا سيما أن قطاف الزيتون من الأعمال التي تستفيد من تعاون عدد كبير من الأشخاص.
ويبين أن بعض أفراد العائلة يتولون فرش الشوادر وتجهيز المكان، فيما ينشغل آخرون بقطف الثمار، ويعمل بعضهم على جمع الزيتون من الأرض وفرزه ووضعه في الأوعية المخصصة لنقله. وبين هذه المهام، يتوزع أفراد الأسرة وفق خبرة كل منهم وقدرته على العمل، في مشهد يعكس طبيعة التعاون الذي ما يزال حاضرا في كثير من حقول جرش.
ويضيف الريموني أن وجود الأبناء والأحفاد في الحقل يمنح الموسم طابعا خاصا، خصوصا عندما يعود أفراد الأسرة من أماكن سكنهم البعيدة للمشاركة في القطاف، إذ يصبح اللقاء بحد ذاته مناسبة ينتظرها الجميع. فالأبناء الذين قد لا تسمح لهم ظروف العمل بزيارة الأهل إلا على فترات متباعدة يجدون في موسم الزيتون فرصة لقضاء وقت أطول مع والديهم وأقاربهم، والمشاركة في عمل يرتبط بذاكرة الأسرة وتاريخها.
تعاون أفراد الأسرة  وتوثيق الذكريات
وفي كثير من الحقول، لا تكون المائدة المعدة على الحطب مجرد استراحة من العمل، بل جزءا أساسيا من طقوس الموسم، إذ تتولى ربات المنازل تجهيز ما يتوافر من مكونات لإعداد وجبة تجمع الحاضرين، فيما يتولى بعض أفراد العائلة إشعال النار وتجهيز الحطب والمساعدة في تحضير المكان. ويجتمع الجميع حول الطعام في أجواء تتسم بالبساطة ويصبح الحديث عن شؤون الأسرة والذكريات والأخبار جزءا من يوم القطاف.
أما الخمسيني خالد العمور، فيرى أن ما يميز هذه الأيام أن الناس يأتون إلى الحقول بروح مختلفة، فهم لا يحضرون لإنجاز مهمة زراعية فحسب، بل للمشاركة في مناسبة تجمعهم وتتيح لهم الابتعاد عن أعباء الحياة اليومية. ويشير إلى أن اجتماع الأبناء مع آبائهم وأمهاتهم، ومشاركة الأحفاد في القطاف، يمنح كبار السن شعورا بالفرح عندما يرون أفراد العائلة حولهم، ويسهم في نقل العادات المرتبطة بالأرض إلى الجيل الجديد.
ويضيف أن إعداد القلاية يحتاج إلى تعاون أفراد الأسرة، إذ يجري تجهيز البندورة والبيض والأواني وإشعال النار، ووضع الطعام على الحطب حتى ينضج، فيما يتولى آخرون تجهيز الخبز وترتيب مكان الجلوس. وقد تتولى إحدى ربات المنزل إعداد الوجبة، بينما تساعدها نساء أخريات، في صورة تعكس مشاركة الجميع في تفاصيل اليوم.
ولا تتوقف طقوس الضيافة عند الطعام، فالشاي الذي يعد على الحطب يحتل مكانة أساسية في يوم القطاف، وكذلك القهوة التي تحضر وتقدم للضيوف، ويحرص المشاركون على تجهيز موقد صغير في مكان مناسب من الحقل، بحيث تتوافر لهم فرصة إعداد المشروبات الساخنة خلال فترات الاستراحة أو بعد الانتهاء من تناول الطعام.
طقوس الموسم من الحقول إلى المعاصر
وتحضر الحلوى الشعبية كذلك في هذه الأجواء، وفي مقدمتها الهريسة التي ترتبط في ذاكرة بعض العائلات بمناسبات الزيارات والاجتماعات العائلية خلال الموسم. وتقدم بعد الطعام أو مع القهوة، وتكتمل معها تفاصيل الضيافة التي اعتاد عليها المشاركون في أيام القطاف.
وتقول ربة المنزل إلهام بني حمدان إن موسم الزيتون يرتبط لدى كثير من النساء بذكريات عائلية لا تنسى، وأجمل ما في هذه الأيام هو اجتماع أفراد العائلة حول مائدة واحدة، وتمنح الأطفال ذكريات ترتبط بالأرض وبأفراد أسرتهم، بدلا من أن يظل موسم الزيتون بالنسبة إليهم مجرد محصول يجمع ثم ينقل إلى المعصرة.
وفي محافظة عجلون، التي تشكل زراعة الزيتون فيها أحد الأنشطة الزراعية الرئيسة، تمتد طقوس الموسم من الحقول إلى المعاصر، حيث يحرص المزارعون على متابعة عملية العصر بأنفسهم وتذوق الزيت الجديد مع الخبز البلدي ومكونات المائدة الريفية التي اعتادوا عليها.
ويحرص المزارعان زهير العنانزة ومصطفى شويات على الوجود في المعصرة خلال عملية العصر، ومتابعة خروج الزيت الجديد، إذ تمثل هذه اللحظة بالنسبة إلى المزارعين محطة ينتظرونها بعد انتهاء جزء من رحلة العمل في الحقول. ويصطحب المزارعون معهم خبز الشراك العربي واللبنة والزعتر البلدي لتناولها مع الزيت الطازج، في عادة ارتبطت بذاكرة أبناء المناطق الزراعية، وتحولت إلى جزء من طقوس استقبال الموسم.
توارث الأجيال طقوسا تحمل ملامح الحياة الريفية
وتتيح هذه اللقاءات للمزارعين تبادل الأحاديث حول المحصول ومواعيد القطاف وتجاربهم في العناية بالأشجار، فيما يتابعون مراحل العصر ويتذوقون الزيت الذي يمثل ثمرة جهد امتد طوال العام. ولا تقتصر أهمية هذه اللحظات على الجانب الغذائي، بل ترتبط أيضا بفرحة المزارع بإنتاج أشجاره، وحرصه على تعريف أفراد أسرته بالعادات التي رافقت مواسم الزيتون عبر سنوات طويلة.
وبحسب تقديرات الموسم الحالي، يتوقع أن يتراوح إنتاج المملكة من ثمار الزيتون بين 220 و230 ألف طن، يخصص نحو 30 ألف طن منها للتخليل، فيما توجه الكميات المتبقية إلى العصر. وتقدر التوقعات إنتاج زيت الزيتون بنحو 28 إلى 30 ألف طن، مع احتمال وصوله إلى 31 ألف طن، في موسم تتطلع فيه الأسر والمزارعون إلى توفير احتياجاتهم من الزيت والاستفادة من المحصول في إعداد المونة والمنتجات المنزلية.
وعلى مستوى محافظة عجلون، تتوقع مديرية الزراعة أن يبلغ إنتاج ثمار الزيتون نحو 43 ألف طن خلال الموسم الحالي، فيما تقدر المساحات المزروعة بأشجار الزيتون بنحو 86 ألف دونم، وتستعد 15 معصرة لاستقبال المحصول. وتعكس هذه الأرقام أهمية الموسم بالنسبة إلى الأسر الزراعية في المحافظة، سواء من حيث الإنتاج والدخل أو من حيث ارتباطه بعادات اجتماعية تتجدد مع القطاف والعصر.
ولا تقتصر هذه العادات على الحقول والمعاصر، بل تمتد إلى المنازل التي تستعد لاستقبال المحصول وتخزين الزيت، إذ تحرص الأسر على توفير احتياجاتها من الزيتون والزيت، فيما تتولى بعض النساء إعداد المونة المنزلية التي ترافق موسم القطاف، في امتداد لعلاقة العائلة بالأرض وما تنتجه من خيرات.

 

 

Image1_10202619201024949155927.jpg
وتبقى هذه الطقوس، على اختلاف تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، جزءا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بموسم الزيتون في القرى والبلدات الأردنية. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأسر إلى الحقول للمشاركة في القطاف وتناول الطعام في الهواء الطلق، يقصد المزارعون المعاصر لمتابعة العصر وتذوق الزيت، لتجتمع في المشهد صورتان متكاملتان للموسم؛ إحداهما تبدأ من الشجرة والأخرى من أولى قطرات الزيت، وتربط بينهما رحلة عمل وذاكرة عائلية تمتد من الأرض إلى المائدة.

 

 

وبين أغصان الزيتون المثقلة بالثمار، وأيدي أفراد الأسرة التي تتنقل بين الشجر، ونار الحطب التي تعد فوقها القلاية، وأولى قطرات الزيت التي تخرج من المعاصر، تتجدد حكاية اجتماعية تمتد من جرش وعجلون إلى مختلف قرى المملكة وبلداتها. فالأرض هنا ليست مساحة للإنتاج وحده، بل مكان للقاء وذاكرة مشتركة.

 

Image4_1020261920108500832404.jpg

وهكذا، يبقى موسم الزيتون في مختلف قرى المملكة وبلداتها موعدا تتجدد فيه صلة الإنسان بأرضه وأسرته، وتتوارث خلاله الأجيال طقوسا تحمل ملامح الحياة الريفية ودفء العلاقات الاجتماعية. وبين قلاية البندورة والبيض والهريسة في الحقول، وخبز الطابون والشراك مع الزيت الطازج في المعاصر، تواصل أشجار الزيتون أداء دور يتجاوز ثمارها، لتبقى شاهدا على حكايات العائلات واجتماعاتها، ورمزا لعادات وتقاليد تجد في كل موسم فرصة جديدة للحياة والاستمرار.

 

 صابرين الطعيمات/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة