غلطة السيسي بألف // د . راشد الشاشاني

لم تمضِ بضعة أيّام على كتابة مقالنا ” مصر بديلاً عن تركيا ” حتى تتحقّق نبوءتنا ؛ التي اختارت فيها السعوديّة الميل نحو صفّ مصر في مجابهة التحرّكات الإسلاميّة ” بمختلف أشكالها ” بدلاً من المناورة في فضائها .
يبدو أنّ الرئيس المصري ؛ الذي حافظ طوال السنوات السابقة على عدم اتخاذ موقف علنيٍّ مجابهٍ عسكريّاً ؛ وهو يسعى إلى تجنيب بلاده تسلّل فوضى ما إليها ، بالذات من جهات إسلاميّة لا ودّ بينه وبينها ، لم يكن موفّقاً هذه المرّة ، حين دفعته فكرة استباق قدوم الخطر ؛ بالذود عن تخوم الجوار .
هذا الاندفاع الذي يسعى إلى حماية الشقيقة السعوديّة ، وإن كان مدفوعاً بحسابات أمن بلاده ؛ التي تهدّدها جماعات الحوثي من طريق قناة السويس ، وحسابات أهمّ ، من جهة دعم إيران لجماعات إسلاميّة يمكنها إقلاق راحة الداخل المصري ، وسعي مصر إلى توجيه رسالة تحذير لإيران بخصوص وقف أو منع دعم أي نشاط من هذا النوع ، وحرص مصر على أن لا تستحوذ قوى دعم الحركات الإسلاميّة ؛ مثل : تركيا ؛ على القبض على زناد إطلاق نار التهديد ، كلّ هذه العناصر وغيرها ؛ لن تكون آثارها معاكسة لمآرب مصر أكثر مما تُعاكس فيه من مآرب السعوديّة ذاتها .
بالطبع ؛ لا يطيب لنا المساس بالأبرياء أينما كانوا .
نحن نرى : أنّه ظالمٌ جدّا إقلاق بلاد آمنة .
ليس مقصدنا من بيان ” سهوة مصر ” حرمان السعوديّة من استقرارها ، فإن أرَدنا إيضاح مقصدنا ؛ دُرنا حول بعض الأسئلة ، التي تشغل بالنا ، حين نطالع تبرير تدخّل مصر العسكري ” بأنّه دفاعيٌّ لا هجوميّ ” في أرض اليمن ، لنشير إلى دور حلف مكّة ، والتساؤل حول ماهيّة ” دفاعه ” الذي لم تظهر آثاره حتى اللحظة .
ونحن نتصوّر مشاهد افتتاح ” اوكتاجون مصر ” التي سبقت إشارتنا إلى أنّها تزامنت مع افتتاح بنتاغون تركيا ” في ردّ مصري على وجود قوّة وحيدة في المنطقة هي تركيا ، يمكننا فهم صورة من صور ” المكر الإخواني ” وهنا نتسائل ؛ هل نجح أردوغان في استدراج السيسي إلى ملعب السعوديّة ؟
هذا التساؤل ؛ لا ينعزل عن آخر ؛ حول طبيعة العلاقة بين تحالف مصر هذا مع السعوديّة من جهة ، وانضمامها إلى حلف مكّة الذي لا زالت حتّى اللحظة تبعث بإشاراتها في التخوّف من تبعاته .
ونحن نعيد مشهد الأحداث ؛ لا يسعنا أن نتجاهل ” الإرتخاء السياسيّ ” الذي ستحدثه خطوة كهذه ، بعد تدبير بعض المكائد في جانب القوى الداعمة للتحرّكات الإسلاميّة المختلفة ، هذا الإرتخاء ؛ لن يكون في أرض مصر وحدها ، بل معها السعوديّة وغيرهما أيضاً .
في أرض الحكم ومساحة القتال التي نفهمها ؛ تعني اللزوجة السياسيّة : ثغرةً عسكريّة .
اتركوا هذا التعقيد ، وانظروا ببساطة إلى حالة العمل العسكري المصري على الأرض السعوديّة ، بغض النظر عن مستواه ، أكان : استخباريّاً ، استشاريّا ، لوجستيّا ، تسليحيّاً ، أم تواجداً لقوّات على الأرض ، لن تتحمّلوا عناءً كبيراً وأنتم ترون غرابة مشهد التحديق في حدود تعامل هذه القوّات مع قوّات ، لجان ، هيئات … الخ حلف مكّة – هذا إن لم يكن مع غيرها _ من سيخضع لأمر من ؟
هذا إذا افترضنا أنّ التنسيق بين هذه القوى سيأخذ شكل التراتبيّة ، لكنّ المشكلة ستبدو أكثر تعقيداَ حين لا يكون هناك تنسيق بين هذه القوى ؛ لكن مع هذا وذاك يبقى انكشاف القوى المصريّة وآلية عملها أمام تركيّا ومن معها ؛ أمراً لم يُحسب له حساب قطعاً .
لن نطيل أكثر من ذلك ؛ قبل أن نُنهي بالإشارة إلى مصير الدور المصري في لبنان ؛ الذي سعت فيه بالوساطة وهي تحاول ضبط الصراع مع ايران ، بات مؤكّدا أنّه سوف يتأجّج مع خطوتها هذه ، بالصورة التي ستردّ فيها إيران على توجيه عوامل القلق نحو الداخل المصري وإن من خارجه ، وهو ما سيكون من الآن فصاعداً بمثابة يدٍ جديدة تمسكها إيران للضغط عليها وعلى غيرها ، سيّما إذا ما توّسعت مهمّة مصر نحو دول الخليج التي تستهدفها ايران .
غلطة الشاطر بألف ، هكذا يقول المثل . مع تفهّم حاجة ايّة دولة لاستقرارها ؛ لم يكن مُجدياً الاندفاع خلف العواطف ، ولا تغليفها بسياق عون الأشقاء ، والحديث عن فترة الرئاسة .

