عجلون.. خربة سرابيس حكاية تاريخية تختزنها الينابيع والحجارة القديمة

 

في أحضان الطبيعة والى جنوب بلدة عنجرة في محافظة عجلون، تقف خربة سرابيس شاهدةً على تعاقب الحضارات التي تركت بصماتها في المكان، حيث تتجاور الينابيع المائية والبساتين والأشجار الحرجية مع بقايا الأبنية الحجرية والمعالم الأثرية التي تروي جانبًا من تاريخ المنطقة وحياة سكانها عبر العصور.

ويقول الباحث في السردية العجلونية منذر الزغول تقع خربة سرابيس على بعد نحو خمسة كيلومترات جنوب عنجرة، وتُعد من المواقع الأثرية المهمة في المحافظة، إذ تمتد على مساحة تزيد على أربعة كيلومترات مربعة، وفقًا لدراسات محلية متخصصة في التراث والآثار  وتتميز المنطقة بغطائها النباتي الذي يضم أشجار السنديان والبطم والبلوط، إلى جانب الأراضي الزراعية التي اشتهرت بزراعة الزيتون والعنب وأصناف من الفاكهة.

واضاف تكشف المعالم المتبقية في خربة سرابيس عن تاريخ طويل من الاستقرار البشري، إذ تشير الدراسات الأثرية إلى وجود شواهد تعود إلى فترات تاريخية متعددة، من بينها الفترة الهلنستية، إضافة إلى فترات إسلامية لاحقة، شملت العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

ولفت الى ان أبرز المعالم بقايا مبانٍ حجرية قديمة، ومسجد أثري تظهر أجزاء من جدرانه ومدخله ومحرابه، فضلًا عن مبانٍ أخرى اندثرت أجزاء كبيرة منها بفعل عوامل الزمن والطبيعة.

كما تضم المنطقة بقايا معصرة زيتون، في دلالة على ارتباط الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان قديمًا بالزراعة واستثمار الموارد الطبيعية المتاحة، ولا سيما أشجار الزيتون والكروم.

وبين ان هناك قراءات أثرية محلية تشير إلى احتمال ارتباط اسم سرابيس بالإله سرابيس الذي انتشرت عبادته في بعض مناطق العالم القديم خلال الفترة الهلنستية، إلا أن تحديد العلاقة التاريخية بصورة قاطعة يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتنقيبات الأثرية المتخصصة.

وقال لا تقتصر أهمية الخربة على قيمتها الأثرية، بل ترتبط أيضًا بعين سرابيس المائية، التي تُعد من أبرز معالم المنطقة، وأسهمت عبر الزمن في توفير المياه للمحيط الزراعي، وشجعت على الاستقرار البشري بالقرب منها لافتا الى ان أعمال لإعادة تأهيل النبع والمنطقة المحيطة به، بهدف خدمة أهالي المنطقة والزوار وتعزيز الاستفادة من المقومات الطبيعية والتراثية التي تتمتع بها الخربة.

ويعكس وجود الينابيع والبساتين إلى جانب الأبنية القديمة طبيعة العلاقة التي ربطت الإنسان بالأرض والماء في ريف عجلون، حيث شكلت الموارد الطبيعية أساسًا للاستقرار والإنتاج الزراعي واستمرار التجمعات السكانية عبر فترات تاريخية مختلفة.

وزاد الزغول تمتلك خربة سرابيس مقومات يمكن أن تسهم في تطوير السياحة الثقافية والبيئية في محافظة عجلون، نظرًا إلى اجتماع الموقع الأثري مع المشهد الطبيعي والغطاء الحرجي والينابيع والبساتين

ومن شأن الاهتمام بالموقع، من خلال التوثيق العلمي للمعالم الأثرية، وتنظيم الزيارات، وتحسين الإرشاد السياحي، وتوفير المعلومات التاريخية للزوار، أن يعزز حضور الخربة على خارطة السياحة المحلية، ويفتح المجال أمام مبادرات مجتمعية تستفيد من التراث والطبيعة بصورة مستدامة ، كما أن حماية الأبنية القديمة والحد من التعديات عليها، والمحافظة على نظافة المنطقة ومصادر المياه، تمثل خطوات أساسية للحفاظ على هوية المكان وضمان انتقال إرثه التاريخي إلى الأجيال القادمة.

ويبرز هنا دور الجهات المعنية بالآثار والسياحة والبلديات، إلى جانب المؤسسات الثقافية وأبناء المجتمع المحلي، في تعزيز التعاون لحماية الموقع وإبراز قيمته الحضارية، بما يحقق التوازن بين المحافظة على التراث والاستفادة من إمكاناته التنموية.

إرث يحتاج إلى مزيد من الاهتمام

وتبقى خربة سرابيس واحدة من الشواهد التي تعكس غنى محافظة عجلون بالمواقع التاريخية التي لم تُكشف جميع أسرارها بعد، فبين حجارتها القديمة وعينها المائية وبساتينها، تختزن المنطقة صفحات من تاريخ الاستقرار والحياة الزراعية في شمال الأردن ، إن الحفاظ على هذا الإرث لا يقتصر على صيانة المباني والأحجار، بل يشمل توثيق الرواية التاريخية للمكان، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته، وتحويله إلى مساحة تجمع بين المعرفة والتراث والطبيعة، مع ضرورة الاستناد إلى الدراسات العلمية في تحديد مراحله التاريخية ومعالمه.

 

– الدستور – علي القضاة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة