التعثر المالي يهدد استمرارية %40 من الجمعيات الخيرية في إربد

إربد – يواجه قطاع الجمعيات الخيرية في محافظة إربد، تحديا متصاعدا في قدرته على الاستمرار والقيام بدوره، مع وجود مئات الجمعيات الخيرية المسجلة في المحافظة، نحو 40 % منها تعاني درجات متفاوتة من التعثر المالي، في وقت تؤكد فيه وزارة التنمية الاجتماعية، أن تمكين الجمعيات يقع على رأس أولوياتها، إيمانا منها بدور الجمعيات كشريك إستراتيجي للوزارة في تحقيق التنمية الاجتماعية وتمكين المجتمعات المحلية والفئات المستهدفة، مشيرة في الوقت ذاته إلى وجود 459 جمعية مسجلة بالمحافظة بينها 163 في قصبة إربد.
وبينما تكافح جمعيات متعثرة للحفاظ على وجودها وسط محدودية الموارد وضعف التمويل، تقدم جمعيات أخرى نماذج مختلفة من العمل المؤسسي، عبر تنفيذ مشاريع في مجالات الأمن الغذائي والمياه والإسكان وتمكين الشباب والمرأة ورعاية كبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.
ويؤكد رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة إربد، صلاح الزعبي، أن واقع الجمعيات في المحافظة متباين، إذ توجد جمعيات فاعلة تمارس دورا واضحا في خدمة مجتمعاتها المحلية، مقابل جمعيات أخرى يقتصر نشاطها على نطاق محدود، إضافة إلى جمعيات تعاني صعوبات مالية أو إدارية تحول دون قيامها بالدور المطلوب منها.
وأوضح الزعبي أن عدد الجمعيات المسجلة في المحافظة يبلغ نحو 525 جمعية، فيما يبلغ عدد الجمعيات المنتسبة إلى الاتحاد قرابة 390 جمعية، بينما يبلغ عدد الجمعيات التي سددت اشتراكاتها نحو 230 جمعية، مبينا أن هذه الأرقام تعكس حجم القطاع الخيري واتساع قاعدة العمل الأهلي والتطوعي في المحافظة.
تعثر بدرجات متفاوتة
وأشار إلى أن نحو 40 % من الجمعيات تعاني تعثرا ماليا بدرجات متفاوتة، إلا أن التعامل مع هذا الملف لا يقوم بالضرورة على إغلاق الجمعيات المتعثرة، وإنما على محاولة تصويب أوضاعها ومعالجة جوانب الخلل ومساعدتها على استعادة نشاطها والالتزام بالأنظمة والقوانين، مؤكدا أن الجمعية التي يمكن إعادة تفعيلها ينبغي منحها فرصة للقيام بدورها.
ولفت الزعبي إلى أن الجمعيات الفاعلة في المحافظة لم تعد تنظر إلى العمل الخيري من زاوية توزيع المساعدات فقط، وإنما تعمل على تنفيذ برامج ومشاريع تستهدف الأسر الفقيرة وذوي الإعاقة وكبار السن والفئات الأكثر حاجة، إلى جانب مشاريع تنموية وإنتاجية يمكن أن تخلق فرص عمل وتوفر مصادر دخل للمستفيدين.
كما أكد أهمية تعزيز التشبيك والتعاون بين الجمعيات ووزارة التنمية الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم والقطاع الخاص والجهات المانحة ومؤسسات المجتمع المدني، مبينا أن الشراكات يمكن أن تتيح للجمعيات الوصول إلى شرائح أكبر وتنفيذ برامج أكثر تخصصا واستدامة.
ومن وجهة نظر رئيس جمعية السنابل الذهبية، فادي مقدادي، فإن قطاع الجمعيات الخيرية يعد من القطاعات المهمة التي تقدم خدمات مباشرة للمواطنين وتشكل رافدا لجهود مؤسسات الدولة، لكنه يواجه تحديات مرتبطة بضعف الدعم والتمويل، إلى جانب تراجع ثقة بعض المتبرعين والشركات والمؤسسات بالقطاع.
وأوضح مقدادي أن العدد الكبير من الجمعيات أدى في بعض الحالات إلى تراجع ثقة الجهات المانحة والمتبرعين، خصوصا مع وجود جمعيات لا تمارس دورها بالشكل المطلوب، فيما يتركز نشاط بعضها بصورة موسمية، ولا سيما خلال شهر رمضان، دون وجود برامج ومشاريع مستدامة على مدار العام.
وأشار إلى أن الدعم المقدم للجمعيات من وزارة التنمية الاجتماعية ما يزال، من وجهة نظره، غير كاف مقارنة بحجم الاحتياجات، داعيا إلى البحث عن مصادر تمويل وشراكات جديدة ومستدامة بين الجمعيات والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية والجهات المانحة.
وبين مقدادي، أن جمعية السنابل الذهبية تعمل في مجالات الأمن الغذائي والمياه والإسكان وتمكين الشباب والمرأة ورعاية كبار السن والأطفال ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرا إلى تنفيذ مشاريع شملت تجهيز وحفر آبار وتجميع مياه بلغ عددها نحو 211 بئرا، إلى جانب تنفيذ 89 منزلا للأسر المحتاجة وترميم وصيانة وتأهيل نحو 370 منزلا للأسر الفقيرة والأيتام.
ضرورة التخطيط المستمر
ومن الجمعيات الفاعلة أيضا جمعية الجود الخيرية التي يرأسها روحي عواودة، حيث يؤكد أن العمل الخيري لم يعد مقتصرا على تقديم المساعدات في المناسبات والظروف الطارئة، وإنما يحتاج إلى تخطيط مستمر وبرامج قادرة على الوصول إلى المستفيدين بصورة أكثر فاعلية.
وأوضح عواودة أن الجمعيات النشطة تواجه مسؤولية متزايدة في ظل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، ما يتطلب البحث عن مصادر دعم وشراكات جديدة وعدم الاعتماد فقط على التبرعات والمساعدات الموسمية، مؤكدا أهمية التعاون مع المؤسسات الرسمية والخاصة والجهات الداعمة لتنفيذ برامج مستدامة والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.
كما تمثل جمعية الأسرة البيضاء، التي ترأسها فايزة الزعبي، نموذجا آخر للجمعيات التي تحافظ على نشاطها وحضورها في المجتمع المحلي، حيث أكدت أن الجمعية تعمل على الوصول إلى الأسر والفئات التي تحتاج إلى الدعم، في ظل مسؤولية متزايدة للتعامل مع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية.
وأشارت إلى أن النشاط الخيري لا ينبغي أن يقتصر على المساعدات العينية أو المالية، وإنما يجب أن يترافق مع برامج تسهم في بناء قدرات المستفيدين وتمكينهم وتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل، مؤكدة أن الجمعيات تمتلك خبرات وقاعدة من المتطوعين، لكنها تحتاج إلى مزيد من التعاون مع الجهات الرسمية والقطاع الخاص والمؤسسات الداعمة.
بدورها، أشارت وزارة التنمية الاجتماعية إلى أن عدد الجمعيات الخيرية المسجلة في المحافظة يبلغ 459 بينها 163 في قصبة إربد، في حين بلغ عدد الجمعيات التي تقرر حلها خلال العام الحالي 14 جمعية، لافتة إلى أن المحافظة تضم تسع مديريات للتنمية الاجتماعية تشرف على الجمعيات.
وأوضحت الوزارة، ردا على استفسارات “الغد”، أن هناك العديد من الجمعيات التي تتبع لجهات إشرافية و”وزارات مختصة” أخرى، كوزارات الصحة والثقافة والسياحة والزراعة وغيرها. وأكدت الوزارة أن الإعلانات الصادرة عبر موقع “سجل الجمعيات” تتضمن كافة الجمعيات التي يتم حلها والتابعة لمختلف الوزارات المختصة، ولا تقتصر على الجمعيات الخاضعة لإشراف وزارة التنمية الاجتماعية فحسب.
وأكدت أن إجراءات الحل تستند بدقة إلى التشريعات الناظمة لعمل الجمعيات، وتحديدا قانون الجمعيات رقم (51) لسنة 2008، والنظام المحدد لأحكام الأنظمة الأساسية للجمعيات لسنة 2010.
وأضافت أن هذه التشريعات قد بينت بوضوح موجبات حل الجمعيات والحالات القانونية التي تستدعي اتخاذ هذا القرار.
المتابعات والزيارات الميدانية
وبينت الوزارة أن حل الجمعيات ينقسم وفقا لتلك التشريعات إلى مسارين رئيسين، المسار الأول هو “حل الجمعية الاختياري”، والذي يتم بناء على طلب تتقدم به الجمعية من تلقاء نفسها. أما المسار الثاني، فيتم إما بقرار مسبب من مجلس إدارة السجل أو بحكم القانون استنادا إلى مخالفة التشريعات النافذة، وذلك بعد متابعة حثيثة للجمعية ورصد المخالفات المرتكبة.
كما أشارت إلى أن من أبرز الحالات التي تستوجب حل الجمعية قانونا، توقفها عن ممارسة أعمالها لمدة سنة كاملة، حيث تعتبر في هذه الحالة منحلة حكما. كما يشمل ذلك ارتكاب الجمعية للمخالفة ذاتها للمرة الثانية بعد سبق إنذارها بشأنها، وعدم قيامها بإزالة أسباب هذه المخالفة ضمن المهل القانونية المحددة بعد تبليغها الإنذار الخطي.
وفي سياق دورها الرقابي والإشرافي، أكدت الوزارة استمرارية المتابعات والزيارات الميدانية الدورية للجمعيات الخيرية من قبل الوزارة ومديريات التنمية الاجتماعية التابعة لها، وفق برنامج مدروس تنفذه لجان وفرق متخصصة. وتهدف هذه الزيارات إلى تقييم أداء الجمعيات من النواحي المالية والإدارية والفنية، والخروج بتوصيات عملية، فضلا عن تقديم الإرشادات اللازمة لتعزيز قدرة الجمعيات على أداء أدوارها وتنفيذ مهامها المؤسسية.
وحول الجهود المبذولة لتحويل الجمعيات من الاعتماد على التبرعات والمساعدات إلى تبني مشاريع إنتاجية مدرة للدخل، شددت الوزارة على أن تمكين الجمعيات يقع على رأس أولوياتها، إيمانا منها بدور الجمعيات كشريك إستراتيجي للوزارة في تحقيق التنمية الاجتماعية وتمكين المجتمعات المحلية والفئات المستهدفة.
وفي هذا الصدد، تنفذ الوزارة برنامجا متخصصا لدعم الجمعيات بمشاريع إنتاجية وتأهيلية ضمن “برنامج تعزيز الإنتاجية”. ويشمل ذلك تقديم الدعم لمشاريع الجمعيات وصناديق الائتمان، بالإضافة إلى الاستفادة من مشاريع “صندوق دعم الجمعيات”، بهدف ترسيخ استدامة عمل الجمعيات وتمكين المستفيدين منها.
ولفتت الوزارة إلى حرصها على توفير نوافذ تسويقية من خلال تنظيم بازارات لعرض منتجات الجمعيات وتسويقها محليا، مشيرة إلى أن أحدث هذه البازارات أقيم في مؤسسة إعمار إربد خلال الفترة من 21 إلى 25 آب (أغسطس) الماضي، إلى جانب تشجيع مشاركة الجمعيات في مختلف البازارات الإنتاجية التي تنظم على مدار العام في محافظة إربد.

