تأكّد أن يوم وفاتك سيكون يومًا عاديًا بامتياز!

الدكتور عبد المطلب القضاه
ستشرق الشمس من المشرق، وتغرب من المغرب، وستفتح المحال أبوابها، ويذهب الناس إلى أعمالهم، وتدور عجلة الحياة وكأن شيئًا لم يحدث.
الدنيا لا تتوقف لأحد… فاعتبروا يا أولي الألباب!
في الماضي، إذا توفي أحد الأقارب وصادفت وفاته موعد عرس لأحد أفراد العائلة، كان تأجيل العرس أمرًا سهلًا في الغالب؛ لأن أهل العريس كانوا يتولّون معظم الترتيبات بأنفسهم، من ذبح الذبائح وإعداد الطعام في البيت إلى تجهيز مستلزمات المناسبة، فلم تكن هناك حجوزات مكلفة أو التزامات مالية كبيرة تحول دون التأجيل.
أما اليوم، فقد تختلف الظروف؛ إذ قد يكون العرس محجوزًا في مزرعة أو فندق أو صالة بأجور مرتفعة، وقد يكون صاحب المناسبة قد دفع عربونًا، واتفق مسبقًا مع المطعم أو متعهّد الطعام على إعداد وليمة للمدعوين. وعند وقوع وفاة لأحد الأقارب، يصبح إلغاء المناسبة أو تأجيلها عبئًا ماليًا قد لا يستطيع تحمّله، وربما تترتب عليه خسائر كبيرة.
وهنا قد يجد أهل الفقيد وأقاربه أنفسهم أمام واقع صعب؛ فهم من جهة يعيشون ألم الفقد وحرقة المصاب، ومن جهة أخرى يقدّرون ظروف صاحب العرس، ويعذرونه، بل قد يطلبون منه متابعة مراسم المناسبة وعدم إلغائها، إدراكًا منهم لما قد يترتب على ذلك من خسائر والتزامات.
وهنا تكمن العبرة التي نريد الوصول إليها من هذه الواقعة.
قد يجتمع الحزن والفرح في يوم واحد؛ يُشيَّع إنسان إلى قبره، وفي مكان آخر تُقام مراسم عرس، لا لأن الناس نسوا الميت أو استهانوا بمصاب أهله، بل لأن الحياة لها التزاماتها، ولأن الظروف قد تفرض على الناس الاستمرار رغم الحزن.
فإذا كان أهل الفقيد أنفسهم قد يقدّرون ظروف الآخرين ويعذرونهم، وإذا كانت مناسبات الناس والتزاماتهم لا تتوقف دائمًا عند وقوع الموت، فكيف يظن الإنسان أن الدنيا ستتوقف يوم رحيله، وأن أعمال الناس ومصالحهم ستتعطل حزنًا عليه؟
هذه هي حقيقة الدنيا؛ لا تتوقف لأحد، ولا تنتظر أحدًا.
مات الأنبياء، وهم أكرم الخلق على الله، ومضت الحياة من بعدهم، واستمر الناس في أعمالهم، وأُقيمت الصلوات، وحلّت الأعياد، ومضت الأيام والسنون. لم تتوقف عقارب الساعة حزنًا على أحد، ولم تتعطل عجلة الحياة برحيل عظيم أو قريب أو حبيب.
وسيأتي يوم نكون فيه نحن الراحلين؛ سيُطوى فراشنا، وتُرتَّب أغراضنا، وتُقسَّم ممتلكاتنا، وسيعود الناس إلى أعمالهم، وتستمر الأفراح والمناسبات، وقد يعتذر بعض الأقارب عن حضور جنازتنا لانشغالهم أو لظروفهم، كما اعتذر غيرهم من قبل. وقد لا يبقى من ذكرياتنا بعد سنوات إلا صورة، أو موقف، أو دعوة صادقة من إنسان لم ينسَ جميلنا.
فلماذا كل هذا الركض خلف الدنيا؟ ولماذا الخصام على المال، والتنافس على المناصب، وقطيعة الأرحام، وتأجيل التوبة، وكأن العمر عهدٌ بالبقاء لا ينتهي؟
إن العبرة من هذه الواقعة ليست لوم من أقام عرسه، ولا عتاب من اضطرته ظروفه إلى متابعة التزاماته، وإنما العبرة أن نفهم طبيعة هذه الحياة: أن لكل إنسان ظروفه، وأن الحياة تستمر رغم الفقد، وأن أحدًا منا ليس استثناءً من سنة الموت.
فلا تجعلوا الدنيا أكبر همّكم، ولا تؤجلوا الخير إلى الغد، ولا تتركوا الخصام يستمر بينكم، ولا تنتظروا رحيل الأحبة حتى تعرفوا قيمتهم، ولا تنتظروا اقتراب أجلكم حتى تتصالحوا مع الله ومع الناس.
أحسنوا ما دمتم أحياء، وتسامحوا قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلًا، وصِلوا أرحامكم قبل أن تتحول الصلة إلى زيارة عند القبور، واتركوا أثرًا طيبًا يشهد لكم بعد الرحيل.
استيقظوا قبل أن يُقال: مات فلان!
فالدنيا ستمضي من بعدنا كما مضت من قبلنا، والأفراح ستُقام، والأعمال ستستمر، والناس سيواصلون حياتهم، أما نحن فسننتقل إلى دار لا ينفع فيها مال ولا منصب ولا جاه، وإنما ينفع فيها العمل الصالح، ورحمة الله ومغفرته.
فيا من شغلتك الدنيا، تذكّر أن يومًا سيأتي تنشغل فيه الدنيا عنك؛ فماذا أعددت لذلك اليوم؟
د. عبدالمطلب القضاه

