الخط الجوي المباشر بين موسكو والعقبة يفتح آفاقا سياحية واقتصادية

العقبة- تأتي اتفاقية الدعم التشغيلي لإطلاق خط جوي مباشر بين العاصمة الروسية موسكو والعقبة، امتداداً لجهود توسيع شبكة الربط الجوي للمدينة، في ضوء الاتفاقيات السابقة المتعلقة بتعزيز الرحلات الجوية مع أبوظبي والرياض، بما يعكس توجهاً نحو تنويع الأسواق المستهدفة وتسهيل وصول الزوار إلى العقبة، وتعزيز موقعها كوجهة سياحية واستثمارية.

ويرى خبراء في السياحة واقتصاد النقل، أن أهمية هذه الاتفاقيات ترتبط بقدرتها على بناء مسارات اقتصادية متكاملة، تربط سهولة الوصول بزيادة مدة إقامة الزوار ومستويات إنفاقهم، وتوسيع الفرص أمام الفنادق والمطاعم وشركات السياحة والنقل والمنشآت التجارية.
وأشاروا إلى أن الربط الجوي مع أسواق عربية، مثل أبوظبي والرياض، إلى جانب استهداف السوق الروسية، يتيح للعقبة تنويع قاعدة زوارها وتوسيع فرص التسويق السياحي. إلا أن تحقيق الأثر الاقتصادي المنشود يتطلب تكامل الجهود بين الجهات المعنية بالطيران والسياحة والاستثمار، وتطوير برامج سياحية تناسب احتياجات كل سوق، وربط الرحلات بمنتجات وتجارب سياحية تشجع الزائر على إطالة إقامته والعودة مجدداً.
كما أكدوا، أن العقبة تحتاج إلى شبكة وصول متنوعة لا تعتمد على سوق واحدة أو موسم محدد، لأن تعدد الأسواق يوسع الخيارات أمام المنشآت السياحية، ويساعدها على توزيع مخاطر التذبذب، كما يتيح تطوير عروض مختلفة للزائر الخليجي وغيره من الزوار، وفق دراسات فعلية للحجوزات وتفضيلات السفر وحجم الطلب المحتمل.
ويقول المختص في الاقتصاد السياحي حسن العمري، إن الرحلات المباشرة تزيل جانباً مهماً من عوائق السفر، من خلال تقليص الوقت وتعقيدات الانتقال، غير أنها لا تكفي وحدها لصناعة الطلب السياحي، إذ ينبغي أن تتزامن مع تسعير تنافسي، وتوزيع تجاري فعال، وبرامج إقامة وأنشطة تمنح المسافر سبباً واضحاً لاختيار العقبة مقارنة بوجهات أخرى.
وأشار العمري إلى أن الطائرة تفتح الباب أمام السائح، لكن المنتج السياحي هو الذي يقنعه بالدخول، ولذلك فإن نجاح خط موسكو يحتاج إلى اتفاقات مبكرة مع منظمي الرحلات وعروض واضحة تجمع النقل والإقامة والتجارب، حتى يصبح الوصول المباشر جزءاً من رحلة متكاملة، لا ميزة منفصلة عن بقية الخدمات.
خيارات الإجازة الشتوية
ويشير الخبراء، إلى أن موعد انطلاق الرحلة الأولى في كانون الأول (ديسمبر) يتيح فرصة لتقديم العقبة ضمن خيارات الإجازة الشتوية، مستفيدة من مقوماتها البحرية وإمكانية دمج الإقامة فيها بزيارة مواقع سياحية أخرى. غير أنهم يشددون على أن جاذبية هذا التوقيت تحتاج إلى حملات موجهة وبيانات حجز فعلية، بدلاً من الاكتفاء بتوقع ارتفاع الإقبال.
ولفتوا إلى أن مخاطبة السوق الروسية تتطلب محتوى مهنياً باللغة الروسية، يعرض طبيعة الإقامة والخدمات والأنشطة المتاحة، ويجيب بوضوح عن أسئلة المسافر، إلى جانب تحديث المعلومات المتعلقة بمتطلبات الدخول والحجز والتنقل، لأن نقص التفاصيل قد يعطل قرار الشراء حتى عندما تتوافر رحلة مباشرة وسعر مناسب.
ويرون أن الترويج الأكثر فاعلية يبدأ بتحديد الشرائح المستهدفة، سواء كانت عائلات أو مجموعات سياحية أو مهتمين بالغوص والتجارب البحرية، ثم اختيار قنوات الوصول المناسبة لكل شريحة، بما يحد من الإنفاق الإعلاني غير الموجه، ويساعد على قياس العلاقة بين الحملة التسويقية والحجوزات التي تتحقق فعلياً.
كما تطرقوا إلى أن الجمع بين التوجه إلى موسكو والاتفاقيات السابقة المرتبطة بأبوظبي والرياض يتيح التفكير في محفظة أسواق متكاملة، لا في خطوط منفصلة، بحيث تكون لكل سوق أهداف واضحة وبرامج ملائمة ومؤشرات أداء مستقلة، مع الاستفادة من نتائج التشغيل الفعلية في تعديل الخطط، بدلاً من افتراض تشابه سلوك المسافرين.
وبحسب مدير مكتب سياحي، محمد الحسنات، فإن تنويع الأسواق يتطلب معرفة ما الذي يبحث عنه المسافر في كل سوق، وكيف يحجز رحلته، وما المدة التي يفضلها للإقامة، ثم تقديم عرض يناسب هذه المعطيات دون تعميمات مسبقة.
ويشير الحسنات إلى أن الربط مع أبوظبي والرياض، متى توافرت شروط تشغيله وتسويقه، يمكن أن يدعم استهداف الرحلات القصيرة والإجازات العائلية والبرامج البحرية والترفيهية، لافتاً إلى ضرورة اختبار هذه الفرص عبر دراسات السوق والتعاون مع وكالات السفر، وعدم التعامل معها باعتبارها طلباً مضموناً قبل ظهور بيانات فعلية تؤكد حجمه واستمراره.
ويمنح اختلاف الأسواق العقبة، فرصة لتنويع برامجها الزمنية أيضاً، من الإقامات القصيرة إلى الرحلات الأطول والبرامج متعددة المحطات، الأمر الذي يساعد المنشآت على تقديم خيارات أكثر مرونة، شريطة ألا يؤدي تنوع العروض إلى تفاوت غير مبرر في الخدمة أو غموض في الأسعار وشروط الحجز.
وتظهر القيمة الإستراتيجية لهذه الشبكة، عندما تسهم في تخفيف التقلبات الموسمية وتحسين قدرة المنشآت على التخطيط، غير أن تحقيق ذلك يستلزم متابعة توقيت الطلب في كل سوق وربطه بالطاقة الفندقية والخدمات المتاحة، بما يمنع التركيز على زيادة الرحلات خلال فترات محدودة دون معالجة فترات ضعف النشاط.
حول ذلك، يرى المختص في هندسة الطيران عبد الله الرواشدة، أن الدعم التشغيلي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في مرحلة إطلاق الخطوط الجديدة، عندما تكون السوق بحاجة إلى وقت لبناء المعرفة بالوجهة وتكوين الحجوزات، لكنه يشدد على أن تقييم الدعم ينبغي أن يستند إلى أهداف قابلة للقياس ومراجعات دورية توازن بين تكلفة الدعم والعائد الاقتصادي الذي يولده.
وبين الرواشدة أن السؤال لا يتعلق بعدد الرحلات التي أُضيفت فقط، وإنما بعدد الزوار الجدد الذين استقطبوا، وعدد الليالي التي أمضوها، وأوجه إنفاقهم، ومقدار النشاط الذي تولد لدى المنشآت المحلية، فهذه المؤشرات هي التي توضح ما إذا كان الدعم يوسع الاقتصاد السياحي أم يقتصر أثره على حركة النقل.
البحر والصحراء والتراث
وأجمع الخبراء على أهمية الجمع بين بيانات إشغال الطائرات والحجوزات الفندقية ومتوسط الإقامة والإنفاق، مع التمييز بين الزائر القادم بغرض السياحة وغيره من المسافرين، لأن امتلاء الرحلة لا يعكس وحده حجم المردود السياحي، كما أن ارتفاع عدد الزوار لا يعني بالضرورة ارتفاع القيمة المضافة بالقدر نفسه.
وأضافوا، أن إحدى أهم مزايا العقبة تتمثل في إمكانية تقديمها بوابة لبرامج تجمع البحر والصحراء والتراث، من خلال الربط مع البترا ووادي رم، بما يوسع خيارات الزائر ويمنح منظمي الرحلات مادة تسويقية متنوعة، كما يتيح توزيعاً أوسع للإنفاق بين مواقع ومنشآت وخدمات متعددة.
ويقول منظم الرحلات السياحية محمد هلالات، إن السائح يحتاج إلى برنامج واضح ومريح، وليس إلى قائمة طويلة من المواقع، مضيفاً أن تقديم إقامة بحرية في العقبة مع خيار منظم لزيارة وادي رم والبترا، وتوضيح الوقت والتكلفة والخدمات، من شأنه أن يزيد قيمة الرحلة ويمنح الزائر أسباباً لإطالة إقامته.
ويشير هلالات إلى أن نجاح البرامج المشتركة يعتمد على جودة التفاصيل، بدءاً من النقل السياحي والالتزام بالمواعيد وكفاءة الإرشاد، وصولاً إلى وضوح مستوى الإقامة وشروط الأنشطة، لأن تجربة الزائر تقيم بوصفها سلسلة مترابطة، وقد تؤثر مشكلة في إحدى حلقاتها على الانطباع العام عن الرحلة والوجهة بأكملها.
وأكد أن المرونة شرط أساسي في تصميم هذه البرامج، إذ لا ينبغي افتراض رغبة جميع القادمين في التجربة نفسها، فبعضهم قد يفضل الإقامة الشاطئية، وآخرون قد يختارون الغوص أو الرحلات الصحراوية أو الزيارات الثقافية، ما يستدعي إتاحة بدائل قابلة للجمع، بدلاً من حصر السوق في برنامج موحد.
ويمكن أن يشمل الأثر المنتظر للرحلات الجديدة الفنادق والمطاعم والنقل والأنشطة البحرية والتجارة والخدمات، غير أن اتساع هذا الأثر يرتبط بكيفية تصميم البرامج السياحية وطبيعة إنفاق الزائر، الأمر الذي يجعل إشراك المنشآت الصغيرة ومقدمي التجارب المحلية جزءاً مهماً من التخطيط لتنمية الطلب.
بهذا الخصوص، يقول التاجر محمد الرياطي، إن نجاح السياحة يظهر حين يجد صاحب المطعم ومقدم النشاط البحري وصاحب المتجر ومزود النقل فرصة حقيقية للاستفادة، ولذلك ينبغي أن تساعد البرامج السياحية على تعريف الزائر بالمدينة وخياراتها، بدلاً من أن تبقى تجربته محصورة في نطاق ضيق لا يتصل ببقية الاقتصاد المحلي.
ويرى أن توفير معلومات موثوقة عن المطاعم والأسواق والأنشطة، وتسهيل التنقل والحجز، يعززان قدرة الزائر على استكشاف العقبة والإنفاق فيها، مع أهمية إدراج التجارب المحلية المؤهلة ضمن قنوات البيع السياحي، بما يرفع حضور المشروعات الصغيرة دون التنازل عن معايير الجودة والسلامة ووضوح التسعير.

 

 أحمد الرواشدة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة