“العمل الدولية”: 252 ألف وظيفة مفقودة بغزة وخطة تربط الإعمار بالتشغيل

تجاوز تداعيات انهيار سوق العمل الفلسطيني حدود الأراضي الفلسطينية، لتضع الأردن أمام أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والإقليمي، وتوسيع فرص التشغيل، ودعم المشروعات الصغيرة والزراعة، في ظل احتياجات إعادة الإعمار التي تقدر بمليارات الدولارات، وفق وثيقة حديثة لمنظمة العمل الدولية.

وكشفت الوثيقة الصادرة في 19 الشهر الحالي، عن حجم الدمار الذي أصاب الاقتصاد الفلسطيني، إذ فقد قطاع غزة أكثر من 252 ألف وظيفة بين الربع الثالث من عام 2023 والربع الثالث من العام الماضي، بينما ارتفعت البطالة إلى 85.1 %، مقارنة بـ45.1 % قبل الحرب. وبلغت الخسائر التراكمية في دخل العمل 2.8 مليار دولار، ما يعكس عمق الأزمة التي تواجه الأسر والمنشآت والقدرة الإنتاجية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية للأردن، بحكم ارتباطه الجغرافي والاقتصادي بالمنطقة، والحاجة لدعم مسارات التعافي التي تعيد تنشيط الإنتاج والتجارة وتوفر فرص عمل مستدامة، بدلاً من الاقتصار على المساعدات الإنسانية قصيرة الأجل.
وتقدر احتياجات التعافي وإعادة إعمار القطاع بـ71.4 مليار دولار، تشمل 11.3 مليار دولار في مرحلة التعافي المبكر الممتدة من صفر إلى 8 أشهر، وما يصل لـ15.4 مليار دولار خلال التعافي قصير الأجل، الذي يمتد حتى 18 شهراً.
وبحسب الوثيقة، بلغت الخسائر المرتبطة بالتوظيف نحو 2.77 مليار دولار، بينما قدرت احتياجات التعافي الخاصة بقطاع التشغيل بـ1.24 مليار دولار.
وتبرز هذه الأرقام حجم التحدي أمام الاقتصادات المحيطة، بما فيها الأردن، في التعامل مع تداعيات أزمة طويلة الأمد، وما تفرضه من ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوجيه التمويل نحو مشروعات قادرة على استعادة النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل.
وتؤكد المنظمة، أن نجاح التعافي لا يقاس بإعادة بناء البنية التحتية وحدها، بل يتطلب استعادة مصادر دخل الأسر، وإحياء القطاع الخاص، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير أنظمة الحماية الاجتماعية، مع ضمان حقوق العاملين وشروط العمل اللائق.
وفي تطور يرتبط بالبعد الإقليمي للأزمة، أطلقت “العمل الدولية” في آذار (مارس) الماضي، بتمويل من الحكومة اليابانية قدره 566.6 ألف دولار، مشروعاً لتعزيز التمكين الاقتصادي والقدرة على الصمود لدى الأسر المعرضة للمخاطر في أريحا والأغوار.
ويستهدف المشروع دعم الأسر الزراعية الصغيرة عبر المساندة الإنتاجية والتدريب على المهارات وتحسين فرص الوصول للأسواق، مع اهتمام خاص بالنساء والشباب.
وحددت عملية تقييم سريعة للاحتياجات أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، فيما يتلقى 50 مزارعاً تدريباً فنياً متخصصاً. كما تشمل الأنشطة أعمالاً لتأهيل البنية التحتية الزراعية، من شأنها توفير فرص تشغيل قصيرة الأجل.
ويمثل هذا المسار، نموذجاً لربط المساعدات بالتنمية الإنتاجية، وهو توجه يمكن أن يفتح المجال أمام تبادل الخبرات الإقليمية في مجالات الزراعة، ورفع الإنتاجية، وتطوير سلاسل التوريد، وتعزيز قدرة الأسر الريفية على توليد الدخل.
ولم يقتصر الحضور الأردني في الوثيقة على الجوار الجغرافي، إذ أشارت المنظمة إلى تبادل خبرات إقليمي، شمل ورش عمل في عمّان وكاتالونيا، تناولت الإحصاءات وصنع السياسات المبنية على البيانات، وخدمات التوظيف المتكاملة، وآليات الوصول إلى الشباب غير المنخرطين في العمل أو التعليم أو التدريب.
وتكتسب هذه القضايا أهمية في المنطقة، حيث يتطلب تحسين فرص الشباب الانتقال من البرامج التدريبية العامة إلى سياسات أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل والمهارات المطلوبة لدى أصحاب العمل.
وفي الضفة الغربية، بلغ معدل البطالة 27.9 % في الربع الثاني من العام الحالي، بينما وصلت مشاركة النساء في القوى العاملة إلى 17.9 %، مقابل 71 % للرجال. أما في غزة، فقد بلغت بطالة الشباب العام الماضي 94 % بين الشابات و81.3 % بين الشبان.
وتوضح هذه المؤشرات، أن أزمة التشغيل لا تتعلق بعدد الوظائف المفقودة فقط، بل تمتد لضعف مشاركة النساء، وتعطل انتقال الشباب من التعليم إلى العمل، وتراجع جودة الوظائف المتاحة.
وفي إطار الاستجابة، أطلقت الأمم المتحدة في نيسان (إبريل) الماضي “صندوق الأفق” لتنسيق تمويل التعافي المبكر والمتوسط الأجل في الأراضي الفلسطينية، مع تركيز رئيسي على غزة. ويغطي الصندوق التعافي المبكر، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار، وتطوير المؤسسات والحوكمة.
كما أُطلقت مبادرة “فريق غزة” بتمويل أولي يقارب 884 مليون يورو، لتنسيق التدخلات الدولية الداعمة للتعافي المبكر.
وتعمل “العمل الدولية” بالتوازي، على تنفيذ برنامج العمل اللائق والتعافي للأراضي الفلسطينية للفترة 2026 – 2029، الذي يركز على استعادة سبل العيش، وتنشيط المشروعات، وتطوير المهارات، وتعزيز الحماية الاجتماعية والحوار بين أطراف الإنتاج.
وبالنسبة للأردن، تبرز أهمية هذه الجهود في دعم الاستقرار الاقتصادي الإقليمي، وتوسيع فرص التعاون التنموي، وتبادل الخبرات في التشغيل والتدريب والزراعة. لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب اقتصادية ملموسة يتطلب مشروعات محددة، وتمويلاً مستداماً، وتنسيقاً مؤسسياً يضمن أن تقود إعادة الإعمار إلى وظائف منتجة ودخل مستقر، لا إلى تعافٍ مؤقت سرعان ما يتلاشى.

 هبة العيساوي/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة