” عندما تُغنّي الريح” // سعيد ذياب سليم

بعدما يُدَثّر الليلُ المدينة، وتُمطر سحبُ الصمتِ حتى تبلّ قطراتُها القلوبَ المتعبة، يتمطّى السأمُ وينظرُ حوله كقطٍّ جائع. لم تعد للكتب رائحة ولا مذاق، ولا لما اعتاده من موسيقى أيّ أثر.
لم تعد ترويه أكوابُ الأعشاب العطرية، ولا تلك الوجباتُ الليلية التي يُعدّها من الخبز المحمّص بالزعتر. تراه ينجذبُ إلى قطعة خبزٍ محترقة تأخذه رائحتُها بعيداً، أو يُذيب في كوب شايه الأخضر قليلاً من الملح؛ علّه يعثر على طعمٍ جديد للحياة.
وسط هذه الفوضى من الأحاسيس، عثر على منصة موسيقية تبثّ صوتاً رخيماً دافئاً بنبرة حزينة، يغني عن الفراق والحنين إلى الحبيبة، ويسير في طرقات المدينة تحت المطر، يناجي قمراً شاحباً ويلاحق الصدى… صوتاً لم يعد يُسمع مثله في زمن السرعة والحماسة الذي يبثّه المؤدون في الجمهور المعاصر.
أثار الصوتُ فضولَه واستحوذ على اهتمامه لبعض الوقت، قبل أن ينتبه إلى أن النبرة لا تتغير؛ تتوالى الأغنيات بلغة إنجليزية بسيطة، لكن الموسيقى تظل هادئة على وتيرةٍ واحدة… صوتٌ بلا روح، كأنه صفيرُ الريح، لكنه جميل.
أعاده ذلك إلى أغاني “آندي وليامز” القديمة بكلماتها العاطفية الرقيقة، غير أن هذا الصوت كان يجذبه كأنه يهمس له مباشرة، ليجعله يتساءل في سرّه: هل هذا صوت قديم جرى تنقيته بأدوات حديثة؟
وفي اليوم التالي، أطلعه أصدقاؤه على ما يُعرف بالموسيقى المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، فاكتشف شخصياتٍ ذات سماتٍ بصرية جميلة تتجاوز حدود الثقافات، بعضها له ملامح شرقية.
— هذه مثلاً، قال أحمد.
تابع الأغنية المصورة؛ فأسرته تلك الشخصية بأدائها، وبحة صوتها الحزين، وأناقة مظهرها.
— أغنية عاطفية سينمائية…
— نعم، لكنها مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، ردّ أحمد.
— وكيف ذلك؟
هنا انبرى سمير، المهووس بالذكاء الاصطناعي، ليحدثه عن برمجيات تُنتج الفن، وتصمم قصصاً مصورة، وكتباً للأطفال، وأغانياً أيضاً.
— لاحظتُ أن بعض الأصوات لآلات موسيقية كالجيتار والبيانو، وبعضها الآخر لم أستطع تحديده!
— اعلم أن الأنظمة قادرة على توليد الأصوات والألحان والتوزيعات لمختلف الأدوات.
بعد عودته إلى حضن الليل، استعرض مواقع عدة تقدم هذا النوع من البرمجيات الفنية ودرس إمكاناتها، ثم وجد نفسه يفكر في مشروعه الخاص: أن ينحت جالاتيا رقمية، كما فعل بجماليون. لكن هل ما سينحته فنٌّ… أم لعبة؟
وكأي نحات محترف، بدأ برسم خطة لتنفيذ فكرته، وتفقّد أدواته: إزميلًا ومطرقةً ومبارد. وقبل أن يخطو باتجاه ورشته، أعدّ مخططًا بيانيًّا يهتدي به في إنجاز منحوتته الرقمية.كانت ورشته ممثلة بجهاز حاسوب موصول بالإنترنت، وأدواته مجموعة من التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
طلب من أحد التطبيقات أن يقدم له شخصية افتراضية؛ ملامحها شرقية، لوزية العينين، مليحة الوجه.
عندما عرض التطبيقُ النتيجة ونظر إليها، أحسّ أنها كالساحرة بعينيها العميقتين الكحلاوين. أعاد كتابة الأوامر والتعليمات مراراً ليحصل على فتاته بمستوى متوسط من الرضا.
أخذ منه ذلك جزءاً طويلاً من الليل، فأوى إلى فراشه ومحاولة النوم، متطلعاً لإكمال خلقه الرقمي في الغد.
تَقَلَّبَ كثيراً في فراشه قبل أن يغلبَه النوم، وكان ثَمَّةَ إحساسٌ جارفٌ بالمسؤولية يقلقه؛ شعر وكأنه بات مديرَ أعمالها الوحيد، المسؤولَ عن اختيار كلمات أغنياتها وموسيقاها، والمُطالَبَ بالحفاظ على ألق مظهرها وثبات هويتها. فهو مبتكرُها الأول… وعليه هو وحده تقع مسؤولية رسم مسار حياتها الافتراضية.
وفي اليوم التالي، انهمكَ في اختيار كلمات الأغنية. مرّت بذاكرته أغانٍ وقصائدُ قديمة قدّمها نخبةٌ من النجوم، تجنّب المساس بها حفظاً للحقوق، فاستعان بتطبيقٍ يعتمد على أفكارٍ يصفُها له بين مقطعٍ ولازمة، ليعطيه كلماتِ الأغنية بشكلٍ احترافي.
شعر بالسرور وهو يقرأ القصيدة وقد تحولت أفكاره إلى كلمات. قرأها مرة، ثم أخرى، ثم بصوت مسموع. لم يصدّق أن هذه الكلمات خرجت من رأسه… أو من الآلة. لم يهمه الأمر الآن.
قدّم القصيدة إلى مولّد الأغنيات الذكي، وحدّد النمط السينمائي، والمزاج الحزين، والصوت الأنثوي القوي، ثم اختار الآلات الموسيقية، وأمدّ التطبيق بلحنٍ همهمه له.
يا للروعة! ما أجمل ما تصنعه هذه التطبيقات!
باتت لديه الآن صورةٌ لشخصيةٍ رقمية وأغنية؛ فاختار التطبيقَ الخاص بتوليد الفيديو، ومزامنةِ حركةِ شفاهِ الشخصية مع الصوت.
كانت أنامله ترتعش، وقلبه يخفق بسرعة، وهو ينقر الأوامر الأخيرة، وينتظر إتمام البرنامج مهمته…
ثم شغّل الفيديو… يا للإبهار! تحركت شفتاها، تمايلت، وصدحت بصوتٍ يلامس شغاف القلب؛ تهمسُ في مقطع، ثم يعلو صوتُها القويُّ ببحةٍ حزينة. شعر في تلك اللحظة كأنه يشاهد ربة الجمال تخرج حيّةً من أحضان البحر!— روعة… روعة… سأسميها رَوعة!
كان يعيد مشاهدة الفيديو مراراً وتكراراً، ويفكر أثناء ذلك بإطلاقها في الفضاء الافتراضي عبر منصات اجتماعية عدة. نشر المقطع على صفحته في «فيسبوك»، وبدأ يراقب التعليقات بشغف، داعياً قائمةً من الأصدقاء للمشاهدة. تفاعل بعضهم بإعجاب، وصمت آخرون. أما سمير، فلم يعلّق. انتظر ساعة، ساعتين… ثم اتصل به:
— آلو… سمير، هل شاهدت المقطع؟
تأخر سمير قليلًا قبل أن يجيب:
— نعم.
— ما رأيك؟ لم أرَ تعليقك!
— هل تريد رأيي بصراحة، أم تفضّل المجاملات؟
— طبعًا، بصراحة!
— كتجربة أولى… أراها جيدة.
— لكن الكلمات واللحن والتنفيذ هائلة!
— هذا رأيك. أما أنا، فالصوت لا يقنعني تمامًا؛ أسمعه أجوف، كأنه يؤدّي الكلماتِ من دون أن ينفعل بها. ينقصه، في تقديري، شيء من ذلك التعبير الذي تمنحه التجربة الإنسانية للصوت.
— ماذا تقول يا رجل؟!
— أنت طلبت مني الصراحة. هل تفضّل أن أنافقك؟
— كلا… استمر، قالها على مضض، والضيق يخنق نبرته.
— ثم إن تجربتك الأولى تتأثر بمدى إلمامك بالبرامج التي استخدمتها، وبقدرات هذه البرامج نفسها. فالأدوات متفاوتة، ولكل منها إمكاناتها وحدودها. وإنتاج عمل متكامل ليس مجرد كتابة كلمات واختيار صوت؛ إنه أشبه بلوحة تشكيلية تتراكم طبقاتها، وتؤثر كل واحدة منها في الأخرى، حتى تتآلف في النهاية وتصبح عملًا فنيًا متماسكًا.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقطعه سمير:
— هل ما زلت معي؟
— نعم… نعم. لكن هناك مشاريع موسيقية افتراضية تملأ الفضاء الرقمي وتحقق نجاحًا!
— صحيح، وبعضها يصل إلى جمهور واسع، لكن وراء المشاريع المتقنة عملًا وتجريبًا وخبرة، وقد يتطلب تطويرها وقتًا ومالًا وجهدًا كبيرًا.
— فهل ترى أن تجربتي مشروع فاشل؟
— لم أقل ذلك. ما زالت تجربة أولى، ومن المبكر الحكم على ما يمكن أن تبلغه. ثم إن الناس يختلفون في أذواقهم وما يبحثون عنه في الموسيقى. ما يفتقده أحدهم قد لا يفتقده آخر.
— ومع ذلك، ما زلت ترى أن الصوت أجوف؟
— نعم، في هذا المقطع تحديدًا. لا أعرف إن كنت ستسمع فيه ما أسمعه أنا، لكنني، مهما حاولت، لا أستطيع التخلص من انطباعي بأنه يشبه صفير الريح.
وفي تلك الليلة، خرج ومشى في الطرقات الخالية. كان سؤالُه القديم يسير معه، لكنه الآن يلبس صوت سمير. فنٌّ… أم لعبة؟

مشى طويلاً بقلبٍ مهموم، كمن انكسرت في يده تحفة عتيقة.
عاد مرهقاً حزيناً، وارتمى على فراشه دون أن يفكر في شيء.
وفي منامه، رأى حلمًا غريباً؛ رأى فيه «رَوعة» ترتدي نظارة قراءة، وتقلب بوهنٍ صفحات كتابٍ عنوانه «الذكاء الاصطناعي». رفعت رأسها ونظرت إليه، ثم ابتسمت ابتسامةً دافئة خفق لها قلبه بشدة.
استيقظ من نومه والذهول يغمره، فجلس على طرف الفراش يسأل نفسه:

— هل هي إشارة؟

ثم تذكّر قول سمير: «صفير الريح».

— أما همس الشجر ورقص الموج، أليسا ضربًا من غناء الطبيعة؟ فلماذا لا يكون لصفير الريح نصيب من الموسيقى؟ أليست الموسيقى المولّدة، هي الأخرى، تحمل شيئًا من خبرة البشر؟

عاودته الحيوية، أو شيءٌ يشبهها… وابتسم لروعة.
سعيد ذياب سليم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة