الأردنيون في مواجهة “فاجعة الكرك”.. تضامن يعزز وحدة المجتمع وتكاتفه

لم يمر يوم الجمعة على الأردنيين كأي يوم عادي؛ فاليوم الذي اعتادوا أن يجتمعوا فيه حول موائد الغداء، ويتبادلوا الزيارات والرحلات والجلسات العائلية، تحوّل إلى يوم ثقيل ومؤلم، مثقل بالوجع والذهول، بعدما هزّ الاعتداء الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك مشاعر الأردنيين، وألقى بظلاله على أجواء البيوت.

وتسمّر الأردنيون أمام شاشات التلفاز لمتابعة تفاصيل الحدث وتداعياته، فيما انعكست الصدمة سريعا على مواقع التواصل الاجتماعي، التي امتلأت بعبارات الحزن والدعاء للضحايا والمصابين، وبمواقف عبّر فيها الأردنيون عن ألمهم إزاء ما حدث، وكأن المصاب وقع في كل بيت، ولم يكن بعيدا عن أي عائلة أو منطقة.
وفي الجلسات العائلية والمسائية، التي اعتادت الأسر أن تكون مساحة للحديث وتبادل تفاصيل يومها، ظل الحدث حاضرا في الوجدان والأحاديث، مثقلا الأجواء بمشاعر الوجع والقلق. وبدا اليوم مختلفا في تفاصيله ومزاجه العام، تاركا أثرا في نفوس الأردنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقعة أليمة يصعب تجاوز وقعها سريعا.
محطات مؤلمة جمعت الأردنيين
لكن المشهد، على قسوته، لم يتوقف عند حدود الحزن؛ إذ أظهرت ردود الفعل حجم التكاتف الذي استنهض مشاعر الأردنيين، والنخوة التي دفعت كثيرين إلى التعبير عن رفضهم أن يصاب أي أردني بأذى، أو أن تتحول معاناة أبناء منطقة ما إلى شأن يخصهم وحدهم.
وفي مجتمع تتقاطع فيه العائلات والبلدات والقرى، قد لا يحتاج المرء إلى معرفة تفاصيل حياة الآخر حتى يشعر بقربه منه؛ فكثيرا ما تكفي معرفة اسم العائلة أو المنطقة، أو كلمة ترحيب عابرة، لتبدأ حكاية معرفة قد تمتد إلى صداقة أو قرابة أو علاقة قديمة.
وامتد هذا التفاعل إلى حسابات أشخاص من خارج الأردن، نشروا صورا ومقاطع فيديو عبّروا فيها عن تضامنهم، واستحضروا ما عُرف عن الأردنيين من وقوف بعضهم إلى جانب بعض حين يتعرض أحدهم للألم.
وهي صورة طالما ارتبطت بالأردن في أحاديث زواره، ممن يلفتهم شعور الألفة الذي يلمسونه في شوارعه ومجالسه، حيث يبدو الناس، في كثير من الأحيان، كأن بينهم معرفة سابقة، تجمعهم البساطة والكرم وروح المبادرة.
ويظل الحفاظ على هذه الصورة، بما تحمله من محبة وتكاتف وأصالة ومسؤولية جماعية، أمرا مهما، خصوصا في اللحظات الصعبة التي تختبر مشاعر الناس وتكشف ما يجمعهم.
ولم تكن هذه المحطات المؤلمة الأولى في تاريخ الأردن؛ فمن تفجيرات فنادق عمّان عام 2005، مرورا بأحداث إربد والكرك عام 2016، وصولا إلى تفجير السلط عام 2018، واجه الأردنيون محطات قاسية تركت أثرا عميقا في وجدانهم، وأكدت في كل مرة أهمية التكاتف والوقوف صفا واحدا في مواجهة العنف ومحاولات المساس بأمن الوطن واستقراره.
ركائز راسخة في المجتمع الأردني
وفي الاعتداء الأخير الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بالكرك، وأسفر، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، عن استشهاد تسعة أشخاص وإصابة العشرات، تجددت مشاعر التضامن الوطني، وتجسدت صورة الجسد الأردني الواحد. ونُقل مصابون لتلقي العلاج في مدينة الحسين الطبية ومستشفيات أخرى، فيما توجه أردنيون إلى المستشفيات للتبرع بالدم ومساندة المصابين. وأعاد هذا المشهد التأكيد أن الألم حين يصيب جزءا من المجتمع يستنهض مشاعر المجتمع كله، وأن قوة الأردنيين تكمن في وحدتهم وقدرتهم على التكاتف وتجاوز المحن.
ويرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع أن حالة التضامن الواسعة التي عبّر عنها الأردنيون، رغم مرارة الموقف وصعوبة ما شهدته قرية حمود في الكرك من اعتداء على كنيسة، جسّدت صفحة جديدة من السردية الوطنية الأردنية، وأكدت أن الهوية الوطنية والثقافة والتاريخ والحضارة تشكل ركائز راسخة في المجتمع الأردني.
ويقول جريبيع إن حالة التضامن والموقف الأردني الموحد في مواجهة الاعتداء وإدانته لا يمكن قراءتهما باعتبارهما مجرد موقف عابر، بل هما تعبير عن عمق العلاقات التي تربط الأردنيين، وعن قيمة العيش المشترك التي ميّزت المجتمع الأردني عبر تاريخه.
ويضيف أن هذه الحالة تدل على رفض قاطع لمحاولات تحويل أي اختلاف إلى انقسام اجتماعي؛ فما شهدته المنطقة يمثل حالة استثنائية لا تعبّر عن طبيعة المجتمع الأردني ولا عن تاريخه القائم على التآلف والتواصل. كما أن الاعتداء على أي مواطن أردني يُعد مصابا وطنيا يمس المجتمع بأكمله، في تأكيد أن المواطنة والهوية الأردنية والانتماء الوطني تتقدم على أي اختلافات دينية، وأن الوحدة الوطنية تشمل جميع مكونات المجتمع.
بناء مساحات مشتركة تعزز تماسك المجتمع
ووفقا لجريبيع، أسهمت جميع مكونات المجتمع الأردني في صياغة الهوية الأردنية، التي تشكلت عبر التنوع والتفاعل الاجتماعي بينها. وهي هوية وطنية جامعة، تمتاز بالثبات والمرونة والقدرة على التفاعل مع الظروف والتحديات، وبناء المساحات المشتركة التي تعزز تماسك المجتمع. كما أن المواطنة والانتماء الوطني عاملان جامعان يتقدمان على الاختلافات.
ويشير جريبيع إلى أن المجتمع الأردني يمتلك خصوصية اجتماعية مميزة، إذ تجمع أبناءه معرفة متبادلة تمتد عبر العائلات والمناطق الجغرافية والعلاقات الإنسانية. وتشكل هذه الروابط مصدر قوة وتماسك ينبغي البناء عليه وتعزيزه؛ فالأردنيون أينما كانوا، تجمعهم علاقات تاريخية واجتماعية وثيقة، تمثل رصيدا وطنيا مهما في مواجهة محاولات التفريق والتحريض.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تبحث الخطابات الوطنية والإعلامية والدينية والسياسية والاجتماعية عن مكامن القوة في الدولة والمجتمع الأردني، وأن تعمل على ترسيخها وتطويرها، وصولا إلى خطاب وطني موحد تكون بوصلته الأساسية الانتماء إلى الأردن والولاء له، ويجمع مختلف فئات المجتمع تحت مظلة المواطنة والهوية الوطنية الجامعة.
ولا تقتصر حماية النسيج الاجتماعي، بحسب جريبيع، على المواقف الرافضة للاعتداء، بل تتطلب مراجعة السياسات التربوية داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، وتعزيز مفاهيم الانتماء إلى الوطن والهوية الأردنية، وترسيخ المواطنة بوصفها المعيار الذي يجمع الأردنيين ويصون حقوقهم وكرامتهم بعيدا عن أي تمييز.
الإحساس بمعاناة الآخر والتعاطف معه
كما تبرز الحاجة إلى تطوير الخطاب الديني، بحيث يتجاوز تقديم الإرشادات والمواعظ إلى التأثير الفعلي في قيم الناس وسلوكياتهم وأخلاقياتهم وثقافتهم، مع ربط المفاهيم الدينية الحقيقية باحتياجات المجتمع وتحدياته، والإسهام في معالجة قضاياه. وشدد جريبيع على أهمية الخطاب الإعلامي الوطني والمسؤول، الذي يضع مصلحة الأردن ووحدته في مقدمة أولوياته، بما يحافظ على التماسك الاجتماعي.
ولما مرّ به الأردنيون خلال هذه الأيام العصيبة دلالات ومؤشرات نفسية وسلوكية، كما يوضح مستشار أول الطب النفسي الدكتور وليد سرحان، قائلا إن الإنسان لا يحتاج إلى معرفة الضحايا شخصيا حتى يتألم لما أصابهم؛ فالتعاطف يقوم على قدرة الإنسان على تخيّل معاناة الآخر والشعور بقربه منه.
ويقول سرحان إن وقوع حادثة مؤلمة داخل المجتمع يجعل الناس يشعرون بأن المصاب يمس عائلتهم الإنسانية والوطنية، وقد يتخيل كل منهم نفسه أو أحد أحبائه مكان المتضررين. لذا، يمكن فهم موجة الحزن والدعاء بوصفها تعبيرا عن إنسانية مشتركة، وعن إحساس بأن ألم بعض الأردنيين يعني الأردنيين جميعا.
ويشير سرحان إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تتيح مساحة واسعة للتعبير عن هذا الشعور؛ فحين يرى الإنسان الآخرين يشاركونه الحزن، يشعر بأنه ليس وحيدا في ألمه وقلقه. كما يمنح الدعاء والمواساة بعض الناس وسيلة للتعبير والمساندة عندما يعجزون عن تقديم مساعدة مباشرة.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن الجميع يعيشون الحزن بالطريقة نفسها، وفقا لسرحان؛ فبعض الناس يعبّرون عن مشاعرهم علنا، فيما يحزن آخرون بصمت، ولا تعني قلة النشر قلة التعاطف. ويبين أن التعاطف الجمعي يعزز الانتماء والتماسك؛ لأنه يؤكد أن حياة الإنسان وكرامته موضع اهتمام المجتمع.
الثقة بالمؤسسات في وقت الشدائد
كما يدل على أن المتضرر لن يكون وحده، وقد يساعد على استعادة الشعور بالأمان الاجتماعي، الذي لا يتحقق بمجرد غياب الخطر، بل يتعزز أيضا بالثقة بوجود أشخاص ومؤسسات تقف إلى جانب الإنسان في أوقات الشدة.
ويقول سرحان: “التكاتف بين أبناء المجتمع، بمختلف انتماءاتهم، يؤكد أن الروابط الإنسانية والوطنية أوسع من محاولات إثارة الخوف والانقسام، ويعزز الشعور بأن المجتمع قادر على مساندة أفراده في مواجهة الأزمات”.
لكنه يلفت إلى أن أثر التواصل الاجتماعي يعتمد على طبيعة المحتوى المتداول؛ فالمواساة والمعلومات الموثوقة قد تخففان القلق، بينما قد تؤدي إعادة نشر المشاهد المؤلمة والشائعات وخطاب الكراهية إلى تضخيم الخوف وإيذاء ذوي الضحايا والمصابين.
ومن هنا، فإن احترام الخصوصية والتحقق من الأخبار وتجنب التعميم والاتهامات، كلها أشكال من المسؤولية والتعاطف، لا سيما في اللحظات التي تكون فيها مشاعر الناس أكثر حساسية وتأثرا. وتكتمل قيمة التضامن حين تتحول إلى سلوك إنساني ملموس.
ومن المهم، وفقا لسرحان، استمرار الدعم بعد انحسار الاهتمام الإعلامي؛ فالفقد والإصابة قد يتركان احتياجات تستمر طويلا. وهكذا يصبح التعاطف قوة تساعد المجتمع على مواجهة الألم، وتحفظ كرامة المتضررين، وتعزز الثقة بقدرة أبناء المجتمع على رعاية بعضهم بعضا.
التعليم ومواجهة الفكر المتطرف
من جهته، يرى الخبير والمدرب التربوي الدكتور عايش النوايسة أن البيئة التربوية تؤدي دورا كبيرا في توفير بيئة مناسبة تتيح للأطفال النمو السليم، بعيدا عن أي شكل من أشكال العنف والإساءة، مع ضرورة تكريس ثقافة التسامح وتقبل التنوع والآخر، وتربيتهم على مبادئ الوسطية والاعتدال التي يؤكدها الدين الإسلامي.
ويرتبط تأثير المدرسة، بحسب النوايسة، بدرجة كبيرة بالمعلم وشخصيته وثقافته، ومدى تفاعله مع الطلبة وقدرته على التأثير فيهم. وينبغي للمعلم الابتعاد عن التعصب لرأي أو اتجاه أو عقيدة، والاعتماد على طرح الحجج والبراهين المقنعة، بما يرسخ لدى الطلبة منهجية التفكير الإيجابي والسليم، ويعوّدهم على التسامح الفكري واحترام الرأي الآخر.
ورغم أهمية المنهج في تربية الطفل، فإن تأثيره يرتبط إلى حد كبير ببيئة المدرسة وأداء المعلمين؛ إذ قد تقتصر العملية التعليمية أحيانا على حفظ المعلومات وترديدها، دون استيعاب حقيقي أو تقبل ذاتي أو ممارسة واقعية للقيم التي تتضمنها. وتكتسب المدرسة أهمية خاصة في هذا الجانب، بالنظر إلى الوقت الطويل الذي يقضيه الأطفال فيها، وتأثرهم بما يجري داخل الغرف الصفية وخارجها.
ويؤكد النوايسة أن التعليم عملية متكاملة تقوم على أربعة مقومات أساسية، هي الطالب والمنهج والمعلم والبيئة المدرسية، ولا يمكن النهوض بالعملية التعليمية أو مناقشة الدور المأمول من المدرسة في مواجهة الفكر المتطرف بمعزل عن تطوير هذه العناصر وتعزيز تكاملها.
طرح حلول مستقبلية للتحديات الحالية
فلا يستطيع المتعلم تلقي التعليم والاستفادة منه بالشكل المطلوب ما لم يوجد في بيئة تشجع الإبداع وتحفز التفكير، وتفتح أمامه آفاق التعلم القائم على التفكير النقدي والإبداعي، بعيدا عن القوالب الجاهزة، بما يسهم في إعداد جيل يؤمن بالرأي والرأي الآخر، ويحترم التعددية والتسامح وقبول الاختلاف.
كما أن ابتعاد المعلم عن التعصب لرأي أو اتجاه أو عقيدة، واعتماده على الحوار والحجج والبراهين المقنعة، ينعكس إيجابا على الطلبة، ويعزز لديهم احترام وجهات النظر المختلفة.
وفيما يتعلق بالمناهج المدرسية، يشير النوايسة إلى ضرورة أن تعكس مجموعة من المبادئ والقيم التي تعزز الاعتدال والتسامح، وفي مقدمتها إبراز أدب الاختلاف في الإسلام، وحرية الرأي واحترام الرأي الآخر، وترسيخ مبدأ مواجهة الفكرة بالفكرة والحوار، بدلا من المعاندة والتعصب.
كما ينبغي أن تلامس المناهج واقع الأمة وتعقيداته، وأن تسهم في طرح حلول مستقبلية للتحديات التي تواجهها، بما يوفر بديلا عن الأفكار المتطرفة. ويشمل ذلك تخصيص برامج توعوية داخل المدارس لتعريف الطلبة بأمور دينهم ومستجدات الواقع، ومناقشة الأحداث الجارية من خلال لقاءات مفتوحة تجمعهم بالمعلمين، بما يعزز الفهم الصحيح للدين الإسلامي وقيمه في التعامل مع الآخر.
ومن الضروري أيضا تعزيز المناهج المدرسية بمفاهيم التعامل مع أتباع الديانات الأخرى، وتوضيح المفهوم الصحيح للجهاد وأنواعه، وتناول قضايا العلاقات مع الآخرين من خلال طرح متجدد وأسلوب عرض واضح يراعي احتياجات الطلبة وتحديات الواقع.
حماية النسيج المجتمعي مسؤولية مشتركة
ويحذر النوايسة من أن عدم القدرة على فهم احتياجات الطلبة واستيعابها قد يسهم في تسربهم من النظام التعليمي، ويزيد احتمال تعرضهم لسلوكيات سلبية أو انجرافهم نحو الجماعات والأفكار المتطرفة. وهنا تبرز أهمية توفير بيئة مدرسية آمنة وداعمة، تمنح الطلبة الشعور بالانتماء والقبول، وتعزز قدرتهم على التفكير النقدي والتمييز بين الأفكار المعتدلة والهدامة.
وفي السياق ذاته، يؤكد استشاري علم الاجتماع الأسري ورئيس جمعية العفاف الخيرية، مفيد سرحان، أن قوة المجتمع من أهم العوامل المؤثرة في مواجهة الأعداء وإفشال مخططاتهم، وأن الحفاظ على تماسكه ضرورة في جميع الظروف، محذرا من أن خلخلة النسيج الاجتماعي من أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمعات.
ويقول سرحان إن حماية النسيج المجتمعي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأفراد والمسؤولين والمؤسسات، وإن محاولات العبث به تمثل خطرا على المجتمع والدولة، وقد تتحول إلى خدمة مجانية لأعداء الوطن والأمة. ويشدد على ضرورة إدراك هذه الحقائق وعدم تجاوزها مهما كانت الدوافع والمبررات، مؤكدا أن الأردنيين جميعا يشكلون نسيجا واحدا ينبغي الحفاظ عليه قويا ومتماسكا، وعدم المساهمة في تشويهه أو إضعافه.
ويضيف أن الجريمة التي استهدفت الكنيسة جريمة نكراء يجمع الأردنيون على رفضها، وأن هذا الحادث الأليم ينبغي أن يزيد من وحدتهم وقوتهم؛ لأنهم جميعا معنيون بحماية وطنهم ومجتمعهم، في ظل وجود من يزعجه السلم المجتمعي والاستقرار والوحدة الوطنية.
الشعور بالواجب
والمسؤولية تجاه الوطن
ويحذر سرحان من أن المسؤولية تتعاظم في مثل هذه الظروف، ما يستدعي التفكير والتأني قبل إطلاق الشعارات أو التصريحات، أو كتابة المقالات أو النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لا تتحول بعض المواقف، من دون قصد، إلى سبب في إثارة الفتن والمشكلات.
ورغم بشاعة الجريمة، يشير سرحان إلى ضرورة ألا يغيب عن الأسرة في هذه الظروف دورها في تعزيز مفاهيم أساسية لدى الأبناء، وفي مقدمتها حب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه، باعتبارهما قيمتين متأصلتين في نفس الإنسان ووجدانه، تحتاجان إلى الرعاية والاهتمام والتوجيه حتى تبقيا راسختين في مختلف المراحل العمرية والظروف.
ويؤكد أن التنشئة السليمة وبناء أسرة قوية وتعزيز الانتماء الأسري تسهم جميعها في ترسيخ قيم الانتماء إلى المجتمع والوطن والأمة، وأن تعميق هذا الانتماء وغرس حب الوطن مسؤولية جماعية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع والمؤسسات الرسمية والأهلية. وهي عملية مستمرة لا ترتبط بحدث أو ظرف بعينه.
كما يشدد مفيد سرحان على أهمية توضيح خطورة الممارسات الإجرامية وآثارها، ليس على الضحايا أو المدينة التي تقع فيها الحادثة فحسب، بل على المجتمع بأكمله، بما يساعد الأبناء على إدراك أن أمن الوطن واستقراره مسؤولية مشتركة، وأن المساس بأي مكون من مكونات المجتمع يؤثر في الجميع.
ويشير إلى أن الأسرة تمثل اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، ولها دور كبير في غرس قيم الانتماء في نفوس الأبناء منذ الصغر، موضحا أن تعزيز المواطنة لديهم يُعد من أهم عوامل تحقيق أمن الوطن واستقراره وتطوره.
ويبدأ غرس مفهوم الانتماء، وفقا لسرحان، بانتماء الشخص إلى أسرته، وحرصه على تماسكها والمحافظة عليها وتعزيز فاعليتها في المجتمع. فكلما كان الانتماء الأسري قويا وكانت الأسرة متماسكة، ازداد إدراك الفرد لأهمية الانتماء وقيمته في حياته وعلاقاته بالآخرين.
وعليه، “فإن حب الوطن ليس مجرد شعارات أو كلمات تُقال في المناسبات، بل سلوك يترجمه الفرد في مواقفه وتصرفاته في مختلف الظروف، في الشدة كما في الرخاء”، بحسب سرحان. فالانتماء الحقيقي لا تحكمه مصلحة مادية أو منفعة شخصية، بل يدفع إليه الشعور بالواجب والمسؤولية تجاه الوطن والأمة، والحرص على أمن المجتمع واستقراره وتماسك أبنائه.

 

 تغريد السعايدة / الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة