التطرف بين حرية الاعتقاد ومسؤولية الدولة// أحمد غازي القضاة

نحو معادلة وطنية تحمي القيم والحريات وتصون استقرار الأردن
ليست الدولة القوية هي التي تفرض على المجتمع رأيا واحدا، ولا هي التي تترك المجال مفتوحا أمام كل خطاب يهدد تماسكه؛ بل هي التي تحمي حرية الاعتقاد والتعبير، وتواجه التطرف بكل أشكاله، وتطبق القانون على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
في المجتمعات التي تسعى إلى التحديث والاستقرار، لا تكمن المعضلة في الاختلاف بحد ذاته، بل في اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف إلى إقصاء، أو تتحول فيها الحرية إلى ذريعة للاعتداء على الآخرين، أو يستعمل الدين لتبرير الإكراه، أو تستعمل شعارات الحداثة والتحرر للازدراء بالمعتقدات والقيم التي تشكل جزءا من هوية المجتمع.
ومن هنا، فإن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تختزل في اتجاه فكري واحد، ولا أن تتحول إلى صراع بين المتدينين وغير المتدينين، بل يجب أن تنطلق من قاعدة وطنية واضحة: حرية الفرد مصونة، وكرامة الإنسان محفوظة، والقانون هو المرجعية التي تحدد حدود المسؤولية وتحمي المجتمع من العنف والتحريض والإكراه.
أولا: التطرف الديني حين يتحول الاعتقاد إلى أداة للإقصاء
إن التدين في جوهره شأن يرتبط بالضمير والقناعة، ولا يجوز التعامل معه بوصفه مشكلة بحد ذاته. كما أن الالتزام الديني والأخلاقي ليس نقيضا للتقدم أو المواطنة أو الدولة المدنية.
لكن الخطر يبدأ عندما يحتكر بعض الأفراد أو الجماعات تفسير الدين، ويمنحون أنفسهم حق تصنيف الآخرين والحكم على نياتهم، أو يبررون إكراههم، أو يحرضون على العنف والكراهية باسم العقيدة.
فالدين لا يمنح أحدا حق الاعتداء على كرامة الآخرين أو سلبهم حقوقهم، كما أن الاختلاف في الاعتقاد أو السلوك لا يبرر التهديد أو التحريض أو فرض القناعات بالقوة.
ومواجهة هذا النمط من التطرف لا تكون باستهداف المتدينين أو التشكيك في نياتهم، بل بالفصل الواضح بين التدين بوصفه حقا مشروعا، وبين توظيف الدين لتبرير العنف أو الإكراه أو انتهاك القانون.
ثانيا: حين تتحول شعارات الحرية إلى وسيلة للإقصاء
في المقابل، لا يجوز تجاهل أن بعض الخطابات التي ترفع شعارات الحرية أو الحداثة أو التحرر قد تنزلق إلى ازدراء المتدينين، أو السخرية من معتقداتهم، أو تصوير الالتزام الديني والأخلاقي باعتباره دليلا على التخلف أو العجز عن مواكبة العصر.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين النقد الفكري المشروع، بما فيه نقد الأفكار والممارسات الدينية والاجتماعية، وبين استهداف الأشخاص بسبب معتقداتهم أو الحط من كرامتهم أو التحريض على حرمانهم من حقوقهم.
فالعلمانية ليست تطرفا في ذاتها، والنقد الديني لا يصبح تطرفا لمجرد أنه يخالف السائد. لكن أيا من هذه المرجعيات لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية أو قانونية إذا تحولت ممارسته إلى تهديد أو تحريض أو تمييز غير مشروع.
وبالمثل، فإن الالتزام الديني لا يمنح صاحبه حق فرض قناعاته على الآخرين.
فالمعيار العادل ليس هوية صاحب الخطاب، ولا مدى قربه من ثقافة المجتمع أو ابتعاده عنها، بل مضمون الخطاب وسلوكه وأثره، ومدى التزامه بالقانون واحترامه لحقوق الآخرين.
ثالثا: لا احتكار للدين ولا احتكار للحرية
من أخطر ما يواجه المجتمعات أن يتحول النقاش العام إلى صراع بين طرفين، يدعي أحدهما احتكار الأخلاق باسم الدين، ويدعي الآخر احتكار الوعي والتقدم باسم الحرية.
كلا المنطقين يضعف المجال العام؛ لأن الأخلاق لا تحمى بالإكراه، والحرية لا تصان بازدراء الآخرين، والتقدم لا يتحقق بإقصاء مكونات المجتمع أو فرض رؤية واحدة عليه.
إن المجتمع المتماسك لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تنظيمه ضمن إطار من الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية. كما أن حماية القيم لا تعني تجميد المجتمع، والانفتاح لا يعني التخلي عن هويته أو التقليل من شأن معتقدات أفراده.
والدولة التي تنجح في إدارة هذا التوازن هي التي تتيح للناس الاختلاف دون خوف، وتحول دون أن يصبح الاختلاف مدخلا للكراهية أو العنف أو التمييز.
رابعا: مسؤولية الدولة في مواجهة التطرف
إن مسؤولية الدولة لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الضرر، بل تشمل بناء بيئة قانونية وثقافية تمنع تحول الخلافات الفكرية والدينية إلى صراعات اجتماعية.
ويقتضي ذلك العمل على أربعة مسارات متكاملة:
1. سيادة القانون دون انتقائية
وضع معايير واضحة لمواجهة التهديد والتحريض على العنف والإكراه والاعتداء على الحقوق، وتطبيقها على الجميع دون تمييز بسبب الدين أو التوجه الفكري أو الموقع الاجتماعي.
2. حماية الحريات المشروعة
صون حرية الاعتقاد والتعبير والنقاش الفكري، وعدم الخلط بين الرأي المخالف والسلوك الذي يشكل اعتداء قانونيا على الآخرين. فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تحتاج إلى تجريم الاختلاف حتى تحمي الاستقرار.
3. الوقاية الفكرية والتربوية
تعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، وترسيخ احترام القانون والكرامة الإنسانية في المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية، ودعم خطاب ديني مسؤول يواجه الغلو دون أن يتحول إلى أداة للتخوين أو الإقصاء.
4. الحزم في مواجهة العنف والتحريض
لا يكفي الاكتفاء بالخطاب التوعوي عندما يتحول التطرف إلى تهديد فعلي للأمن أو اعتداء على الحقوق. هنا تصبح الاستجابة القانونية والأمنية ضرورة، على أن تكون منضبطة بالقانون، ومتناسبة مع الفعل، وخاضعة للمساءلة والرقابة.
فالحزم الذي لا يستند إلى القانون قد يتحول إلى ظلم، والتسامح الذي يتجاهل الاعتداء على الحقوق قد يتحول إلى تقاعس. أما الدولة الراسخة، فتجمع بين الوقاية والحزم والعدالة.
خامسا: خصوصية الأردن ومسؤولية الحفاظ على الاستقرار
في الحالة الأردنية، تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة؛ فالأردن يحتاج إلى حماية تماسكه الاجتماعي، وصون هويته الوطنية، وتعزيز الثقة بمؤسساته، في ظل التحديات الإقليمية والضغوط التي تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية.
وهذا لا يعني التضييق على النقاش العام أو التعامل مع كل اختلاف باعتباره تهديدا، بل يعني بناء مناعة وطنية تقوم على العدالة وتكافؤ الحقوق واحترام القانون، وتمنع استغلال الدين أو الحرية أو الانقسامات الاجتماعية لإضعاف الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
كما أن مواجهة أي تطرف أو تهديد أمني يجب أن تستند إلى الوقائع والأدلة والإجراءات القانونية، لا إلى الشائعات أو الاتهامات المسبقة أو تحميل فئة اجتماعية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد.
فاستقرار الأردن لا يحمى بالشعارات وحدها، بل بمؤسسات عادلة وفاعلة، ومجتمع يثق بالقانون، وخطاب عام مسؤول يميز بين النقد المشروع والتحريض، وبين الاختلاف الفكري والتهديد الحقيقي للأمن.
سادسا: بناء مناعة مجتمعية لا تكتفي برد الفعل
إن مواجهة التطرف على المدى الطويل تتطلب معالجة أسبابه الفكرية والاجتماعية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية.
وتبدأ هذه المواجهة بتعليم الأجيال أن الاختلاف ليس تهديدا بالضرورة، وأن احترام الإنسان لا يشترط الاتفاق معه، وأن حرية التعبير تقترن بالمسؤولية، وأن الالتزام الأخلاقي لا يبرر الاعتداء على الآخرين، كما أن رفض الالتزام الديني لا يمنح أحدا حق السخرية من المتدينين أو الانتقاص من كرامتهم.
ومن الضروري أيضا ألا تتحول المؤسسات المعنية بالتوعية إلى أدوات للاستقطاب أو تصنيف المجتمع بين صالح وطالح، أو متقدم ومتخلف. فوظيفتها أن توسع مساحة الحوار المسؤول، وتعزز التفكير النقدي، وتدعم المواطنة المتساوية، وتواجه التحريض والتعصب أينما ظهرا.
فالمجتمع الذي يمتلك الثقة والوعي والقدرة على الحوار يكون أكثر مناعة أمام التطرف، وأقدر على حماية استقراره دون التضحية بحرياته.
وفي الختام الدولة القوية تحمي الحقوق وتواجه التطرف
إن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والحرية، ولا بين المحافظة والحداثة، بل بين ثقافة تحترم الإنسان وتقبل الاختلاف، وثقافة تستخدم أي مرجعية كانت لتبرير الإقصاء أو الإكراه أو الاعتداء على الحقوق.
ولا يجوز أن تتحول حماية القيم إلى ذريعة لقمع الحريات، كما لا يجوز أن تتحول حماية الحريات إلى ذريعة لازدراء معتقدات الناس أو انتهاك كرامتهم.
إن الدولة التي تستحق ثقة مواطنيها هي التي تحمي حق المتدين في ممارسة معتقده، وحق المختلف معه في التعبير عن رأيه، وحق الجميع في العيش بأمان وكرامة، ضمن قانون عادل يطبق على الجميع.
وفي الأردن، فإن ترسيخ هذه المعادلة ليس ترفا فكريا، بل مسؤولية وطنية تتصل باستقرار الدولة وتماسك المجتمع وثقة المواطن بمؤسساته.
فالدولة القوية لا تخشى الاختلاف، لكنها لا تتهاون مع العنف والتحريض والاعتداء على الحقوق. والدولة العادلة لا تفرض على الناس قناعات واحدة، لكنها تفرض على الجميع احترام القانون.
تلك هي المعادلة التي تستحق أن ندافع عنها: دولة تحمي الحرية دون فوضى، وتصون القيم دون إكراه، وتواجه التطرف دون انتقائية، وتجعل المواطنة وسيادة القانون أساس العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة.
كبير_مهندسين_بحريين
#Ahmad_Ghazi_Alqudah

