عيون تراقب وقلوب لا تحضر // عمر الدريني

قد يعرف شخص تفاصيل يومك من دون أن يتحدث إليك منذ أسابيع، يعرف أين ذهبت، وما الذي احتفلت به، ومن رافقك في مناسبة، وربما ينتبه إلى تغير بسيط في صورك أو منشوراتك، ومع ذلك، إذا التقيته، فقد تمر المحادثة بينكما ببرود لا يشبه مقدار ما يعرفه عنك، هنا يظهر سؤال يستحق التأمل: متى يتحول الاطلاع على حياة الآخرين من وسيلة للتواصل إلى عادة تمنحنا شعورًا زائفًا بأننا قريبون منهم؟
ليس كل من يشاهد منشوراتنا يراقبنا، ولا كل من يصمت عن التفاعل يخفي موقفًا، قد يمر الإنسان على المحتوى مرورًا عابرًا، وقد يتابع أخبار معارفه بدافع الفضول الطبيعي، وقد يفضل ألا يشارك تفاصيل الآخرين علنًا، لذلك من الخطأ أن نضع كل مشاهدة في خانة التجسس أو أن نفترض أن من لم يعلّق يحمل في قلبه غيرة أو ضغينة، فالمنصة لا تمنحنا نافذة على النيات، وما نراه من حركة رقمية لا يكفي وحده لإصدار الأحكام.
لكن هناك فرقًا بين الاطلاع العابر وبين تحويل حياة شخص إلى مادة متابعة مستمرة، خصوصًا حين يتجاوز الأمر ما اختار نشره إلى البحث عن تفاصيله الخاصة، أو تفسير كل حركة يقوم بها، أو نقل أخباره إلى الآخرين من دون إذنه، عند هذه النقطة لا تكون المشكلة في التقنية وحدها، بل في حدود العلاقة واحترام الخصوصية، فالقدرة على الوصول إلى معلومة لا تعني أن لنا حق استخدامها، ومعرفة ما نشره شخص لا تمنحنا ملكية حكايته.
وقد تتخذ المراقبة شكلًا أقل وضوحًا: أن نتابع أخبار صديق لا نسأله عن حاله، وأن نعرف ما يحدث له من منشوراته بدل أن نسمع منه، وأن نكتفي بمراقبة تغيراته ثم نتصرف كأننا نعرف دوافعها، ربما ننشغل بتفسير صورة لم يضع فيها ابتسامته المعتادة، أو نستنتج من خروجه مع أشخاص آخرين أنه استبعدنا، أو نفهم من غياب منشوراته أنه يمر بأزمة، وقد نصيب أحيانًا، لكننا قد نبني حكاية كاملة على تفاصيل ناقصة.
والمفارقة أن المتابعة المستمرة قد تخلق وهمًا بالمعرفة، نرى لحظات كثيرة من حياة الإنسان، فنشعر بأننا نعرفه جيدًا، بينما لا نعرف كيف يتخذ قراراته، وما الذي يقلقه، وما الذي لا يريد الحديث عنه، الصور تكشف بعض الوقائع، لكنها لا تشرح السياق كله، وقد يكون الشخص الذي يبدو سعيدًا منشغلًا بمشكلة لا يرغب في عرضها، كما قد يكون من قلّ ظهوره في المنصة أكثر استقرارًا مما نتخيل، لا ينبغي أن نعامل ما نراه بوصفه تقريرًا كاملًا عن حياة أحد.
ومن الإنصاف أن نسأل أنفسنا أيضًا عن سبب متابعتنا للآخرين، هل نتابعهم لأننا نهتم بهم، أم لأننا نريد أن نعرف ما يحدث في حياتهم من دون أن نتحمل مسؤولية التواصل معهم؟ هل نستخدم ما نراه لفتح باب الحديث، أم نحوله إلى مادة للمقارنة والحديث الجانبي؟ قد يكون من الأسهل أن نراقب صديقًا من بعيد من أن نسأله سؤالًا مباشرًا، لأن السؤال يحمل احتمال إجابة لا نريد سماعها، أو يضعنا أمام مسؤولية تتجاوز الفضول.
لا يعني احترام الخصوصية أن نقطع متابعة أخبار من نحب، بل أن نتعامل معها بحدود واضحة، ما ينشره الآخر ليس دعوة مفتوحة إلى الاستجواب، وما يختار إخفاءه ليس لغزًا مطلوبًا منا حله، وإذا أقلقنا تغير في سلوكه، فقد يكون السؤال الهادئ أفضل من بناء الاستنتاجات، وإذا لم يرغب في الكلام، فعلينا أن نحترم حقه في الصمت، ما لم تكن هناك أسباب جدية تستدعي التدخل لحمايته.
أما الصداقة، فلا تثبت بكمية المعلومات التي نجمعها عن الآخر، بل بقدر الأمان الذي يشعر به معنا، قد نعرف تفاصيل كثيرة عن شخص من دون أن يكون مستعدًا للبوح لنا، وقد نعرف أقل مما نراه على الشاشة، لكننا نكون أول من يلجأ إليه حين يحتاج إلى الحديث، الفارق بين الحالين لا تصنعه العين التي تتابع، بل العلاقة التي تمنح الإنسان حرية أن يظهر، وأن يغيب، وأن يختار ما يقوله.
ليست كل عين تتابع عينًا متطفلة، وليست كل مشاهدة خالية من المودة؛ لكن المعرفة التي لا يصاحبها احترام قد تتحول إلى عبء، والمتابعة التي لا تقود إلى اهتمام حقيقي قد تمنح صاحبها شعورًا بالقرب لا يشاركه فيه الطرف الآخر، لذلك ربما يكون السؤال الأهم قبل أن نفتش في دوافع الآخرين: هل نريد أن نعرف عنهم أكثر، أم أن نكون أشخاصًا يستطيعون الوثوق بنا حين يقررون أن يخبرونا؟

