أ.د. يوسف الدرادكــــة يكتــب: التركيز على إنترنت الأشياء: ركيزة التحول الرقمي وصناعة المستقبل

أ.د. يوســف الدرادكــــــة
يُعدّ إنترنت الأشياء (Internet of Things – IoT) أحد المحاور الاستراتيجية في مسيرة التحول الرقمي، لما يتيحه من إمكانات متقدمة لربط الأجهزة والأنظمة، وجمع البيانات وتحليلها، وتحويلها إلى معلومات تدعم اتخاذ القرار، وترفع كفاءة الأداء، وتعزز الابتكار في القطاعات الصناعية والخدمية.
وفي ظل التسارع المتنامي للتطور التكنولوجي، تتباين الآراء بشأن مدى نضج تقنيات إنترنت الأشياء وجاهزيتها للتطبيق واسع النطاق؛ فبينما يرى بعض الخبراء أنها لا تزال مدفوعة بالاتجاهات التقنية والتسويقية العالمية، يؤكد آخرون أن قيمتها الحقيقية تتجلى في قدرتها على معالجة التحديات الواقعية للمؤسسات والمجتمعات، وتطوير البنية التحتية، وتحقيق فوائد اقتصادية وتشغيلية ملموسة. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التركيز على التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا، ومدى قدرتها على إحداث تحول مستدام في بيئات الأعمال.
السؤال الأول: ما أهمية إنترنت الأشياء في بناء المؤسسة الرقمية، في ضوء التوجهات والمعايير العالمية؟
يمثل إنترنت الأشياء أحد المكونات الأساسية لبناء المؤسسات الرقمية الحديثة؛ إذ يتيح جمع البيانات من الأجهزة والمعدات والأنظمة المتصلة، وتحليلها والاستفادة منها في تحسين العمليات التشغيلية وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار. وتتضاعف أهميته في القطاع الصناعي، حيث يمكن توظيفه في مراقبة أداء المعدات، والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وتطوير الصيانة الوقائية، وترشيد استهلاك الطاقة، وخفض التكاليف التشغيلية.
ولا تقتصر القيمة المضافة لإنترنت الأشياء على جمع البيانات، بل تمتد إلى تكاملها مع الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتحليلات البيانات الضخمة، بما يتيح بناء أنظمة ذكية قادرة على الاستجابة للمتغيرات بصورة أكثر سرعة ودقة. ويتطلب نجاح هذه المنظومة الالتزام بالمعايير المناسبة للتشغيل البيني، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، والخصوصية، لضمان بناء مؤسسة رقمية موثوقة وقابلة للتوسع.
السؤال الثاني: إلى أي مدى تلبي النتائج العملية لتطبيق إنترنت الأشياء توقعات المؤسسات العالمية؟ وماذا تكشف التجارب التطبيقية؟
تتوقف نتائج تطبيق إنترنت الأشياء على وضوح الأهداف، وجودة التخطيط، ومدى ارتباط الحلول التقنية باحتياجات المؤسسة الفعلية. فالإقبال على هذه التكنولوجيا لا ينبغي أن يكون استجابة لمجرد مواكبة الاتجاهات العالمية، بل يجب أن يستند إلى دراسة الجدوى الاقتصادية، وتحديد مؤشرات الأداء، وقياس العائد على الاستثمار.
وتُظهر التطبيقات الصناعية أن من أبرز مجالات الاستفادة تحسين كفاءة التشغيل، ومراقبة الأصول، وتقليل فترات التوقف، ورفع جودة الخدمات والمنتجات. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه النتائج ليس تلقائيًا؛ إذ يتطلب توافر بنية تحتية مناسبة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وتكاملًا بين الأنظمة، إلى جانب معالجة تحديات الأمن السيبراني وجودة البيانات.
أما المرحلة المقبلة، فتفتح آفاقًا أوسع أمام توظيف إنترنت الأشياء في تطوير المنتجات والخدمات المبتكرة، وإنشاء نماذج أعمال جديدة، وتعزيز القدرة التنافسية. وكلما ازدادت قدرة المؤسسات على تحليل البيانات والاستفادة منها، اتسعت فرص تحقيق قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.
السؤال الثالث: ما الأولويات التي ينبغي أن يضعها قادة تقنية المعلومات في الحسبان عند تنفيذ مشروعات إنترنت الأشياء؟
لم يعد دور قيادة تقنية المعلومات مقتصرًا على إدارة الأنظمة والبنية التحتية، بل أصبح يمتد إلى قيادة التحول الرقمي، وتحفيز الابتكار، وربط الاستثمار التقني بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
ومن هنا، ينبغي أن تبدأ مشروعات إنترنت الأشياء بتحديد المشكلة التي تسعى المؤسسة إلى حلها، ثم اختيار الحلول المناسبة، ووضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج. كما تبرز أهمية التعاون بين فرق التقنية والإدارات التشغيلية، والاستفادة من التجارب الناجحة، وتطوير القدرات البشرية اللازمة لإدارة الأنظمة الذكية.
ويُعد الأمن السيبراني عنصرًا محوريًا في هذا السياق؛ فزيادة عدد الأجهزة المتصلة واتساع نطاق تبادل البيانات يفرضان تحديات تتعلق بحماية الأجهزة والشبكات، وتأمين الاتصالات، وإدارة الصلاحيات، وتحديث الأنظمة، والاستجابة للتهديدات. لذلك، يجب دمج الأمن والخصوصية منذ المراحل الأولى للتصميم والتنفيذ، لا التعامل معهما بوصفهما إجراءات تكميلية.
كذلك، فإن نجاح إنترنت الأشياء يرتبط بقدرة المؤسسة على تحقيق التكامل بين الأنظمة والأجهزة، وضمان جودة البيانات، وتحديد المسؤوليات، وبناء شراكات فاعلة مع الجهات التقنية والصناعية. فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول؛ وإنما يتحقق الأثر الحقيقي عندما تقترن برؤية واضحة وإدارة فعالة وثقافة مؤسسية داعمة للابتكار.
السؤال الرابع: ما أبرز المحاور التي ينبغي التركيز عليها في المرحلة المقبلة من تطور إنترنت الأشياء؟
تتمثل الرسالة الأساسية في أن إنترنت الأشياء لم يعد مجرد وسيلة لربط الأجهزة وتبادل البيانات، بل أصبح جزءًا من منظومة تقنية متكاملة تتفاعل فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الطرفية، وشبكات الاتصالات الحديثة، والتحليلات المتقدمة، والأمن السيبراني.
وتتجه المؤسسات العالمية إلى استكشاف نماذج أكثر ذكاءً ومرونة، تستفيد من تحليل البيانات في الزمن الحقيقي، وتدعم الصيانة التنبؤية، وتحسين إدارة الموارد، وتطوير الخدمات الرقمية. كما تزداد أهمية توظيف هذه التقنيات في المدن الذكية، والرعاية الصحية، والطاقة، والنقل، والصناعة، مع مراعاة المتطلبات التنظيمية والبيئية والأمنية.
وفي المنطقة العربية، تبرز فرصة مهمة للاستفادة من هذه التطورات في تسريع التحول الرقمي، وبناء القدرات التقنية الوطنية، وتعزيز الابتكار، وتطوير حلول تستجيب لاحتياجات المؤسسات والمجتمعات. ويتطلب ذلك الاستثمار في البحث العلمي، وتأهيل الكفاءات، وتشجيع الشراكات بين الجامعات والقطاع الصناعي، وتبني مشروعات تطبيقية قابلة للقياس والتوسع.
ختامًا، فإن إنترنت الأشياء يمثل إحدى الركائز المهمة لبناء اقتصاد رقمي أكثر كفاءة وابتكارًا. غير أن تحقيق الاستفادة القصوى منه يتطلب الانتقال من مجرد تبني التكنولوجيا إلى توظيفها وفق أهداف واضحة، ومعايير موثوقة، وممارسات أمنية راسخة. فالمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للأجهزة المتصلة فحسب، بل للمؤسسات الأقدر على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات، والقرارات إلى قيمة مضافة وتنمية مستدامة.

