سلوكيات تُربك موازين الانتماء // حسان عمر ملكاوي

في ظل الدعوات المتواصلة إلى مراجعة الخطابات والأفكار السلبية و تصويبها ، تبرز الحاجة أيضًا إلى مراجعة بعض الممارسات في الشأن الرياضي ، حيث يتحول بها التشجيع من مجرد انحياز لنادي إلى خطاب إقصائي ينتقص من الآخرين ويتجاوز حدود المنافسة المشروعة ، بكل ما يحمله من آثار سلبية في مفاهيم الانتماء والوطنية . وبالتالي وعلى سبيل المثال لا الحصر تخيل
أن يتعامل البعض مع الرياضة وكأنها حكر على نادي بعينه ، وكأنه دائمًا الكفة الراجحة في الميزان ، فيما تبدو بقية الأندية بلا وزن أو قيمة في ذلك الميزان ، والأكثر استغراب أن تصدر مثل هذه المواقف أحيانًا عن إعلاميين وشخصيات عامة ، عبر منصات يُفترض أن تعزز الوعي والروح الرياضية ، وليس أن تكرّس التعصب والانقسام ، أو تختزل الانتماء الوطني في لون نادي وميول جماهيره ، والأخطر أن تتجاوز هذه الممارسات حدود التشجيع حتى تصل إلى الشماتة بنادي أردني يشارك خارجيًا ، أو الاستهزاء به والتقليل من شأنه ، رغم أنه يحمل اسم الأردن ويرفع علمه في المحافل القارية والدولية ، فهنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الميول الرياضية ، بل يصبح موقف يستدعي مراجعة معنى المنافسة وحدودها ، ولا سيما عندما يصدر عن أشخاص لهم حضور وتأثير في المجتمع ،
والأكثر غرابة أن يُبرر البعض هذه المواقف بالقول إنها لا علاقة لها بالانتماء الوطني ، وكأن تمثيل الأردن منفصل عن واجبنا تجاه الوطن وممثليه ، بينما الحقيقة أن تشجيع أي نادي حق مشروع ، والاختلاف بين الجماهير أمر طبيعي ، لكن تحويل الميول النادوية إلى تعصب يدفع إلى الشماتة بنادي أردني يمثل الوطن أمر مختلف تمامًا ، ونحن
لسنا مطالبين بالتخلي عن انتماءاتنا الرياضية ، ولا بالتوقف عن نقد أنديتنا وإداراتها ، لكننا مطالبون بالتمييز بين المنافسة المحلية وتمثيل الأردن خارجيًا ، فالنقد حق ، والاختلاف مشروع ، أما الانتقاص من نادي أردني أو الابتهاج بإخفاقه وتشجيع منافسيه على حسابه حين يمثل الوطن ، فذلك يتجاوز حدود التنافس الرياضي المسؤول .
فالرياضة ليست مجرد نتائج وألقاب وألوان ، بل هي مساحة للإنجاز ورفع اسم الأردن عاليًا ، شأنها شأن النجاحات التي يحققها أبناؤه في مختلف المجالات ، والوطنية لا تُقاس بالحب للنادي الذي نشجعه ، بل بقدرتنا على الفرح بكل إنجاز أردني ودعم كل نجاح يتحقق باسم الوطن ، بصرف النظر عن صاحبه أو المجال الذي يبدع فيه ، وسواء كان شخص أو نادي ، ومن هذا المنطلق ، فإن الشخصيات الرياضية والإعلامية الأردنية التي تمثل الوطن في المحافل الخارجية تستحق الدعم والتشجيع ، وليس المحاربة والانتقاص بسبب الميول النادوية أو الأهواء الشخصية ، وعلينا أيضا أن نؤمن أن الكلمة مسؤولية ، وكلما اتسع تأثير صاحبها ، ازدادت مسؤوليته في تعزيز الوعي واحترام الآخر .
نعم قد تختلف ألوان الأندية وتتباين الميول ، لكن ميزان الانتماء الحقيقي لا ينبغي أن يختل عندما يتعلق الأمر بالوطن ، فالأندية تتنافس ، والجماهير تختلف ، أما علم الأردن فيبقى فوق الجميع ، ودعم من يرفعه ويمثل الوطن يجب أن يكون أولوية تتقدم على كل اعتبار نادوي ، وللتشريعات بالتأكيد دور كبير في محاربة السلبيات والحد منها ، لكن فاعليتها تتطلب أن يرافقها عمل توعوي مستمر تقوده وسائل الإعلام والشخصيات المؤثرة ، إلى جانب الصفحات والمراكز الإعلامية في الأندية ، بهدف تعزيز الوعي ومحاربة تلك السلوكيات واجتثاثها من جذورها .
وإن كان في العمر بقية ، يكون لحديثنا بقية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة