الكرك أكبر من خبرٍ موجع // :عمر الدريني

حين تختطف الجريمة صورة المكان من ذاكرة الناس
قد يحتاج المكان إلى عقود كي يصنع صورته في وجدان الناس، وقد تكفي جريمة واحدة كي تحاول اختطاف تلك الصورة في ساعات، هكذا تعمل الذاكرة حين تتلقى خبرًا صادمًا؛ تتقدم الواقعة العنيفة إلى الواجهة، وتتراجع خلفها تفاصيل الحياة التي لم تتوقف، والوجوه التي لا علاقة لها بما حدث، والتاريخ الذي لا يمكن اختزاله في يوم واحد، وهذا ما ينبغي أن نتنبه إليه ونحن نتحدث عن حادثة حمود في محافظة الكرك: أن نمنح الضحايا حقهم في الذاكرة، من دون أن نمنح الجريمة حق تعريف المكان.
في الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026، وقع الاعتداء خلال مراسم تشييع في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بلواء القصر، وأسفر، وفق الحصيلة النهائية المعلنة، عن تسعة قتلى وأربعة وثلاثين مصابًا، وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه، أُعلن القبض على ثلاثة متورطين، فيما استمرت التحقيقات، لا يجوز التعامل مع هذه الوقائع بخفة، ولا القفز فوق وجع العائلات التي فقدت أحباءها أو تنتظر تعافي المصابين، لكن الاعتراف بفداحة ما جرى لا يفرض علينا أن نختصر الكرك في الحادثة، أو أن نعيد تقديمها للناس من بوابة العنف وحدها.
للمدن ذاكرة أوسع من عناوين الأخبار، فالكرك ليست اسمًا جغرافيًا يرد في نشرات الحوادث، وليست مشهدًا ثابتًا يُستدعى كلما وقعت مأساة، إنها حياة يومية، وعلاقات اجتماعية، وبيوت وأسواق ومدارس وكنائس ومساجد، وناس يختلفون في تفاصيل كثيرة ويتقاسمون المكان ومصالحه وأيامه، وحين نختزل مدينة في جريمة، فإننا نرتكب ظلمًا رمزيًا بحق أبنائها؛ إذ نحذف من صورتها كل ما لا يدخل في الخبر العاجل، ونترك واقعة مؤلمة تتحدث نيابة عن مجتمع كامل.
وهذا لا يعني تلطيف الحقيقة أو البحث عن صورة سياحية مريحة للمكان، فالكرك مثل أي مدينة، لا تحتاج إلى دفاع عاطفي يعفيها من مواجهة ما حدث، ولا إلى خطاب يضعها فوق النقد، ما تحتاج إليه هو قراءة عادلة تميز بين الفعل الإجرامي وبين المجتمع الذي وقع فيه، وبين مسؤولية مرتكبيه وبين هوية المحافظة وأهلها، فالجريمة تُنسب إلى من تثبت مسؤوليته عنها، ولا تتحول إلى صفة جغرافية تلاحق بلدة أو محافظة.
وتزداد أهمية هذا التمييز في زمن تتشكل فيه صورة المدن عبر مقاطع قصيرة وعناوين متداولة، قد يشاهد شخص من خارج الأردن خبرًا عن حمود، ثم لا يعرف عن الكرك شيئًا سوى تلك الواقعة، وقد تنتقل الصورة نفسها إلى منصات أخرى، فتتكرر حتى تبدو كأنها الحكاية الوحيدة للمكان، هنا تظهر مسؤولية الإعلام في أن يضع الحدث ضمن سياقه، وأن يواصل متابعة نتائجه، من دون أن يجعل التغطية أسيرة المشهد الصادم، كما تظهر مسؤولية المؤسسات الثقافية والتعليمية في إبقاء الذاكرة المحلية مفتوحة على تاريخها وتجاربها وشخصياتها، لا على الأخبار الطارئة وحدها.
وثمة فرق بين أن نتذكر الضحايا، وأن نجعل المأساة العنوان الوحيد لذاكرتنا، التذكر المسؤول يحفظ أسماء من رحلوا وكرامة أسرهم، ويتابع حقوق المصابين، ويطالب بكشف الحقيقة، لكنه لا يحوّل الألم إلى مادة دائمة للاستعراض، أما الذاكرة المنصفة، فتسمح للمدينة بأن تحزن وتراجع نفسها وتواصل حياتها، من دون أن تُطالَب بالتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، أو أن تبقى أسيرة ما حدث إلى الأبد.
ومن حق أبناء الكرك أن يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين لهم تاريخهم وحاضرهم وتطلعاتهم، لا باعتبارهم امتدادًا لخبر مؤلم، ومن حق الضحايا أن تبقى فاجعتهم حاضرة في الوعي العام، لا أن تضيع وسط عناوين متعاقبة، وبين الحقين مساحة واسعة تتسع للإنصاف: أن نقول ما جرى بوضوح، وأن نرفض التعميم، وأن نتابع الحقيقة، وأن نترك للمكان حقه في أن يكون أكثر من أسوأ ما شهد.
ستبقى حمود جزءًا من ذاكرة الكرك، وهذا حق لا ينبغي إنكاره أو الالتفاف عليه، لكن الذاكرة العادلة لا تسمح للحادثة بأن تمحو ما سبقها وما يحيط بها وما سيأتي بعدها، فالمكان الذي عرفه الناس عبر أجيال لا تختصره جريمة، والمدينة التي أصابها الوجع لا تفقد حقها في أن تُرى كاملة.

