الإرهاب في سوريا.. جرحٌ نازف وتحدياتٌ لا تنتهي / المهندس معتز احمد القضاة

يُشكل ملف الإرهاب في سوريا أحد أكثر الفصول دموية وتعقيداً في تاريخ المنطقة الحديثفمنذ اندلاع الأزمة عام 2011 تحولت الأراضي السورية إلى مسرح مفتوح لنشاط التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة العابرة للحدودوالتي استغلت حالة الفراغ الأمني والانقسام السياسي لتأسيس نفوذها وتوسيع رقعة حضورها.
ومع اتساع رقعة النزاع المسلحوجدت هذه الجماعات بيئة شعبية حاضنة أتاحت لها التمدد السريعحيث ظهرت تنظيمات راديكالية مثل “جبهة النصرة”تلاها الصعود المأساوي لتنظيم “داعش” الذي أعلن عام 2014 سيطرته على مساحات شاسعة امتدت عبر الحدود السورية العراقيةممارساً أبشع أشكال الترهيب والعنف واستنزاف الموارد.
ولم تقتصر كلفة هذا المشهد على الصراع العسكريبل دفع المجتمع المدني الثمن الأكبرإذ تعرض ملايين السوريين للنزوح والتهجير القسريوتحولت مناطق كاملة إلى ركامفضلاً عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها تلك التنظيمات بحق المدنيين والأقلياتما أسفر عن واحدة من أشد الأزمات الإنسانية قسوة في العصر الحديث.
أمام هذا التهديد العابر للحدود شهدت الساحة السورية تشكيل تحالفات دولية وإقليمية لمواجهة الإرهابخاضت خلالها القوى المختلفة مواجهات عسكرية واسعة أدت في نهاية المطاف إلى تقويض السيطرة المكانية لتنظيم “داعش” وإعلان هزيمته العسكرية عام 2019إلى جانب تحجيم نفوذ بقية الجماعات المتطرفة.
غير أن تراجع السيطرة الجغرافية للتنظيمات الإرهابية لا يعني زوال خطرها نهائياًإذ ما زالت تحركات الخلايا النائمة واعتماد حرب العصابات في المناطق النائية تشكل تهديداً أمنياً مستمراًوفي هذا السياق تبرز أهمية ترسيخ مبادئ حسن الجوار والتنسيق الأمني والسياسي الفعّال مع الدول المحاذية لسوريا كون الإرهاب ظاهرة عابرة للحدود لا تؤذي دولة بمفردها بل تضر بالمحيط الإقليمي برمته. إن ضبط الحدود المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية وبناء شبكة أمان إقليمية متكاملة بين سوريا ودول الجوار يُعد ركيزة أساسية لمنع تسلل الفلول الإرهابية وتجفيف منافذ التمويل وتهريب السلاح والمخدرات واستعادة الاستقرار الإقليمي المستدام.
إن استئصال جذور الإرهابفي سوريا يظل مرهوناً بتجاوز الحلول العسكرية والميدانية نحو تحقيق تسوية سياسية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتضمن استقرارهابما يحقق تطلعات الشعب السوري في الأمن والسلام.
المهندس معتز احمد القضاة
mutazqudah@yahoo.com

