لا أمن بلا وعي، ولا إصلاح بلا مسؤولية ……// أحمد غازي القضاة

حل المشكلة يتطلب مواجهة أسبابها، حتى وإن كنت أنت نفسك جزءا من المسؤولية عنها.
لذلك، لنتحدث بصراحة عن الأسباب التي أوجدت البيئة الخصبة للتطرف بكل أشكاله.
داخليا:
* جيوب الفقر.
* البطالة.
* شعور الشباب بغياب العدالة الاجتماعية.
* الواسطة والمحسوبية، وكثرة التخبط في القرارات.
* اتساع الفجوة الطبقية في المجتمع، حتى أصبح المشهد وكأن هناك من يعيش في باريس، وهناك من يعيش في الصومال.
* وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت أحد العوامل المؤثرة في الضغط النفسي والإحباط، من خلال عرض مظاهر حياة قد تكون خادعة، وترسيخ صورة عن الرفاهية والحلم الباريسي، في مقابل واقع يعيشه كثير من الشباب ويشعرون فيه بالعجز عن تحقيق أبسط طموحاتهم.
وهناك من يعيش على أرض هذا الوطن، ويأكل من خيراته، ومع ذلك تبقى مواطنته منقوصة، وانتماؤه وحبه لوطنه محل تساؤل. ولن أخوض في الأسباب، لكن كل إنسان يعرف نفسه جيدا.
خارجيا:
هناك محاولات متعددة، ومن جبهات مختلفة، لاختراق أمن الأردن واستقراره، ولا مجال للخوض في تفاصيلها هنا، فهي أمور متروكة للأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الأردنية، درع الوطن وصمام أمانه. وأنا أعلم جيدا أن هناك رجالا يضعون أرواحهم على أكفهم، ويسهرون حتى تنام أنت وأبناؤك في بيوتكم بأمان واطمئنان.
هذه العوامل وغيرها أسهمت في نشوء أشكال متعددة من التطرف، بعضها لا علاقة له بالدين، ولا يمكن اختزاله في سلوكيات الأفراد الذين يبحثون عن الكيف والمزاج.
النوع الأول: التطرف الإرهابي القائم على الفكر التكفيري.
هناك شباب يمتلكون خلفية دينية هشة، يسهل استدراجهم من خلال جماعات ومنظمات منظمة، تستغل العاطفة الدينية وتعمل على غسل أدمغتهم وتوجيه أفكارهم نحو التطرف. وغالبا ما يكون الشاب أصلا مثقلا بالشعور بأنه بلا قيمة في المجتمع، وأن حقوقه ضائعة، وأن مستقبله مسدود، مع ضعف الوازع الأخلاقي والوطني لديه.
وللأسف، فإن منطقة الشرق الأوسط تعرضت خلال السنوات الماضية لاضطرابات أمنية وسياسية واسعة، الأمر الذي وفر بيئة استغلتها هذه الجماعات لاختراق عقول بعض الشباب، بمن فيهم طلبة المدارس، وتضليلهم واستقطابهم.
النوع الثاني: الانحراف المرتبط بالمخدرات والجريمة المنظمة.
وكلنا يعلم حجم الخطر الذي واجهه الأردن في ملف المخدرات، خصوصا خلال الأزمات التي مرت بها المنطقة، وما رافقها من محاولات لتهديد أمن المجتمع واستقراره. وهي قضية ترتبط بعوامل متعددة، من بينها ما ذكرناه سابقا، وربما عوامل أخرى لم نتطرق إليها.
أما فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية والعسكرية،
فإلى الإخوة المحللين الذين يوجهون الاتهامات إلى قيادات الأجهزة الأمنية، ويتحدثون عن التقصير، أقول: لنكن منصفين في تقييم الأمور.
لقد تعرضت أجهزتنا الأمنية والعسكرية لضغوط كبيرة واستثنائية في مواجهة الإرهاب والمخدرات، وقدمت تضحيات جسيمة، تحمل رجالها خلالها مسؤوليات وأعباء لا يمكن إنكارها أو التقليل منها، خصوصا في ظل الأزمات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة.
نعم، الأخطاء واردة، ولا توجد مؤسسة فوق التقييم والمساءلة، لكن الإنصاف يقتضي أن نضع حجم الضغوط والتحديات والتضحيات في الحسبان، وأن نفرق بين النقد المسؤول والاتهام غير المستند إلى أدلة.
أما على مستوى المسؤولية الوطنية والسياسية،
فقد كانت رسالة جلالة الملك في خطاب العرش واضحة وصريحة، ومفادها أن المواقع العامة تكليف وليست تشريفا، وأن المسؤولية الحقيقية تكمن في خدمة المواطن والاستجابة لاحتياجاته.
وإذا أردنا الحديث عن ثقافة اللوم، فأنا أجزم بأن المجتمع المدني يتحمل جانبا مهما من المسؤولية، ابتداء من خياراته السياسية، مرورا بالدور الذي يمارسه بعض المطبلين والمصفقين في تضليل المسؤولين، ومنحهم شعورا زائفا بأنهم يؤدون واجباتهم على أكمل وجه، وصولا إلى مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن معالجة الاختلالات الداخلية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يمكن تجاهل ثقافة الركض وراء الواسطة والمحسوبية، سواء في التوظيف أو في الحصول على الحقوق والخدمات، حتى أصبح الوصول إلى بعض المسؤولين أو مقابلة بعضهم يحتاج إلى واسطة!
وهنا لا بد أن نسأل أنفسنا: كيف نطالب بمؤسسات عادلة، ونحن أحيانا نمارس سلوكيات تضعف العدالة وتكرس المحسوبية؟
لذلك، يا أبناء شعبنا الأردني الكبير وأسرتنا الوطنية الواحدة،
إذا أردنا التغيير الحقيقي، فليبدأ كل واحد منا بنفسه، ثم بأسرته ومحيطه. علينا أن نعيد النظر في المبادئ التي نؤمن بها، وأن نترجمها إلى سلوك وممارسة يومية، لأن إصلاح المجتمع لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ من الإنسان نفسه.
ابنك وابنتك أمام عينيك، وأنت قادر على أن تمنحهما من وقتك واهتمامك ما يكفي لتنشئتهما تنشئة سليمة، وأن تبذل جهدك لإبعادهما عن كل ما قد يضر بمستقبلهما ومصلحة وطنهما. والأهم أن تربيهما على حب الوطن والأرض والانتماء الصادق، لا على أساس ما الذي ستقدمه الدولة لهما فقط، بل على أساس ما الذي يمكن أن يقدماه هما لوطنهما.
أما الذين يهاجمون الدين، أو يحاولون تحميله مسؤولية كل انحراف، بحثا عن ساحة لتصفية حساباتهم الفكرية أو تفريغ عقدهم،
فأقول لهم: إن الشعب الأردني شعب محافظ، من شماله إلى جنوبه، ومتمسك بقيمه ومعتقداته، وهذه القيم بعيدة كل البعد عن التطرف والإرهاب. والأردنيون الشرفاء أثبتوا عبر تاريخهم انتماءهم الصادق لوطنهم وولائهم لقيادتهم الهاشمية.
ولا يحق لأحد أن يزاود على الأردنيين الشرفاء أو أن يعمم سلوك حالات شاذة على مجتمع بأكمله. فالحالات الفردية، مهما بلغت خطورتها، لا تمثل هوية المجتمع ولا قيمه.
وبذلك اختم بان :
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر ما يحتاج إلى مواقف مسؤولة، ووعي حقيقي، ومراجعة صادقة، وعمل جاد.
كونوا طرفا في الإصلاح، وعونا للدولة ومؤسساتها، وسندا لأجهزتنا الأمنية والعسكرية، ولا تجعلوا من الأزمات فرصة لتصفية الحسابات أو تسجيل المواقف.
فالأردن مسؤولية مشتركة، وأمنه واستقراره لا يتحققان بالشعارات وحدها، بل بوعي المواطن، وعدالة المؤسسات، وحكمة المسؤول، وتكاتف الجميع.

