راسة بلا ضجيج.. ودماء على خطى الواجب //// محمد متعب الفريحات

في بعض الأيام يكتب الوطن تاريخه بالدم. كان جواد السلايطة في موقعه كما اعتاد كل صباح، أمينا على الناس والمكان، يؤدي واجبا لا ينتظر شكرا عليه، حين باغتته يد الغدر قبل أن تتاح له فرصة دفع الخطر أو رد الأذى. هكذا يسقط الشرفاء، واقفين في مواقعهم، لا يساومون على الأمانة، ولا يخطر ببالهم أن يكون الأذى ثمنا للإخلاص. رحل جواد شهيدا، وارتفعت دماؤه الطاهرة شاهدة على قسوة الجريمة وجبنها، وعلى الثمن الذي يدفعه رجال جعلوا أمن الوطن مسؤوليتهم التي لا يتخلون عنها.

وفي اللحظة التي كانت فيها الجريمة تمضي نحو مزيد من الضحايا، تقدم الملازم الثاني فراس العنانزة. لم يتراجع أمام الخطر، بل سارع إلى مواجهة المعتدي وتمكن من تحييده، فمنعه من استكمال ما بدأ. وأصيب فراس خلال تدخله، ثم التفت إلى زميله جواد محاولا إنقاذه، لكن القدر كان قد سبق محاولته. لم يكن موقفه مجرد استجابة لنداء الواجب، بل شجاعة تقدم حياة الآخرين على سلامة صاحبها، ووفاء لرفيق السلاح حتى اللحظة الأخيرة. إنها بطولة تستحق التقدير والإنصاف، ونأمل أن تقابل بترفيع استثنائي، تكريما لبسالته وتضحيته في تلك اللحظات الحاسمة.

وجاءت هذه الجريمة بعد أقل من أسبوعين على الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، فعاد الحزن يطرق أبواب الأردنيين من جديد، وكأن جرحا لم يكد يلتئم حتى انفتح آخر. ولا يعني تقارب الحادثتين في الزمن وجود صلة بينهما، فلكل جريمة وقائعها وظروفها. غير أن تتابع هذه الفواجع يفرض التوقف أمام خطر الفكر المتطرف، ويستدعي مزيدا من اليقظة والوعي، وانتظار ما تكشفه التحقيقات من حقائق، بعيدا عن التكهنات والاستنتاجات غير المثبتة.

فالإرهاب لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يريد أن يترك الخوف خلفه، وأن يحول الأمان إلى قلق، وأن يزرع الفرقة والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد. إنه يستهدف طمأنينة الناس، ويحاول النيل من الثقة التي تشد بعضهم إلى بعض. لكن الأردن، الذي واجه المحن بثبات أبنائه، يدرك أن وحدته هي الحصن الذي تتحطم عليه محاولات الفتنة، وأن التماسك ليس شعارا يرفع في أوقات الشدة، بل موقف يتجدد كلما حاول الأذى أن يمس أمنه واستقراره.

والمجتمعات لا تحمى بالبيانات والتعازي وحدها، بل بحزم لا يتردد، وقانون يطبق على الجميع، ومواجهة جادة للجذور الفكرية التي تنبت منها الكراهية والتطرف. إنها مسؤولية تبدأ من الأسرة التي تغرس الاعتدال في نفوس أبنائها، ومن المدرسة التي تبني العقل قبل أن تملأ الذاكرة، وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات التي تقع على عاتقها مهمة ترسيخ الوعي ومواجهة التحريض والتضليل. فحماية الوطن لا تقتصر على حراسة حدوده ومواقعه، بل تشمل أيضا حماية عقول أبنائه من كل فكر يبرر العنف ويستبيح دماء الأبرياء.

أما أسرة جواد السلايطة، فلها أصدق مشاعر العزاء والمواساة، ولها علينا حق أن تبقى تضحيات ابنها حاضرة في الذاكرة، لا خبرا تطويه الأيام. وأما فراس العنانزة، فهو أهل لتقدير يليق ببسالته، ورسالة إلى الأجيال بأن الشجاعة والوفاء لا ينبغي أن يمرا دون إنصاف. نسأل الله أن يرحم جواد ويغفر له ويسكنه فسيح جناته، وأن يمن على فراس بالشفاء العاجل، وأن يلهم أسرة جواد الصبر والسلوان، ويمنح فراس وأهله القوة والعافية.

سيبقى اسم جواد السلايطة حاضرا في ذاكرة الأردنيين، شاهدا على إخلاص الرجال الذين يؤدون واجبهم بصمت، ويحرسون أمن الوطن دون انتظار ثناء أو تقدير. وسيبقى موقف فراس العنانزة صفحة مضيئة في سجل الشجاعة والوفاء، فقد تقدم حين كان الخطر حاضرا، ولم يتردد في حماية الآخرين، ثم حاول إنقاذ رفيق سلاحه حتى اللحظة الأخيرة. قد يغيب جواد عن موقعه، لكن تضحياته لن تغيب عن ذاكرة الوطن، وقد يترك الغدر وجعا في القلوب، لكنه لن ينال من وحدة الأردنيين ولا من عزيمتهم. فسلام على جواد الذي رحل وهو يؤدي واجبه، وسلام على فراس الذي جسد معنى البطولة، وسلام على كل رجل يقف في موقعه ليبقى الوطن آمنا عزيزا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة