تشديد ضوابط التصوير تحت الماء بخليج العقبة.. كيف يحمي الثروة البحرية؟

العقبة- بين جاذبية الصورة تحت الماء وحساسية الحياة التي تحتضنها الشعاب المرجانية، تتقدم في خليج العقبة معادلة لا تحتمل تغليب المكاسب الترويجية على سلامة البيئة البحرية، في وقت حذرت فيه محمية العقبة البحرية من تنفيذ أنشطة دعائية وتصوير إعلانات تجارية داخل مواقع الشعاب دون الحصول على الموافقات الرسمية، مؤكدة أن هذه الممارسات تخالف التعليمات الناظمة لعملها وتستدعي المتابعة القانونية.
ويضع التحذير حدودا واضحة بين الاستفادة المسؤولة من المقومات السياحية للعقبة واستغلالها تجاريا دون تقييم مسبق، إذ لا تتوقف المسألة عند تصوير منتج في مشهد بحري جذاب، وإنما تمتد إلى طبيعة الموقع المستخدم وحركة المشاركين والمعدات المصاحبة لهم، وما قد ينجم عن ذلك من ملامسة للشعاب أو إزعاج للكائنات البحرية أو إدخال مواد غير ملائمة إلى بيئتها.
وبحسب البيان الذي نشرته المحمية على صفحتها الرسمية، جاء التحذير عقب رصد أنشطة تصوير إعلاني تحت الماء نفذتها جهات تجارية وأصحاب منتجات بالتعاون مع عدد من مراكز الغوص، وشملت في بعض الحالات مواقع للشعاب المرجانية، وهو ما دفع المحمية إلى التشديد على ضرورة تقديم طلب رسمي مسبق قبل تنفيذ أي نشاط دعائي أو تجاري من هذا النوع.
وتكشف هذه الوقائع أهمية التعامل مع التصوير التجاري باعتباره نشاطا يحتاج إلى تنظيم وتقييم، لا مجرد امتداد تلقائي لرحلات الغوص أو التصوير السياحي، فوجود طاقم متخصص أو الاستعانة بمركز غوص لا يغني عن موافقة الجهة المختصة، كما أن المهارة الفنية في التقاط الصورة لا تعني بالضرورة انتفاء الأثر البيئي الناجم عن التحضير لها وتنفيذها.
وبحسب مدير محمية العقبة البحرية ناصر الزوايدة، “فإن حماية الشعاب المرجانية هي الأساس الذي تقوم عليه استدامة هذه التنمية، ولذلك، فإن أي نشاط تجاري داخل البيئة البحرية ينبغي أن يمر عبر القنوات الرسمية التي تتيح تقييمه وتحديد شروط تنفيذه”.
وأضاف الزوايدة “أن الرسالة الموجهة إلى الشركات وأصحاب المنتجات ومراكز الغوص واضحة، وهي أن الحصول على الموافقات يجب أن يسبق التصوير وليس أن يأتي بعده، لأن بعض الآثار المحتملة يصعب تداركها، فيما تتيح المراجعة المسبقة تجنب الممارسات التي قد تضر بالمواقع الحساسة أو تتعارض مع أهداف الحماية”.
تقييم الآثار المحتملة
ويستند موقف المحمية إلى النظام والتعليمات الناظمة لعملها، والتي تستوجب دراسة طبيعة النشاط المقترح وتقييم آثاره المحتملة والتحقق من توافقه مع متطلبات المحافظة على البيئة البحرية، قبل السماح بالشروع فيه، بما يجعل الموافقة المسبقة أداة وقائية لحماية المورد الطبيعي، وليس مجرد متطلب شكلي لاستكمال ملف تنظيمي.
وتبرز أهمية توضيح الفارق أمام الجهات التجارية بين طلب الموافقة وضمان الحصول عليها، إذ إن تقديم الطلب يفتح باب الدراسة ولا يحسم نتيجتها، بينما تبقى ملاءمة الموقع وطبيعة المنتج وطريقة التصوير وحجم الفريق والمعدات المستخدمة من المسائل التي يمكن أن تؤثر في تقييم النشاط وشروطه، وفق ما تقرره الجهة المختصة.
ويقول خبراء إن الشعاب المرجانية، التي تشكل إحدى أبرز مقومات الجذب في خليج العقبة، لا يمكن اختزال قيمتها في ألوانها وتكويناتها التي تظهر في الصور، فهي جزء من نظام بيئي مترابط يوفر موائل لكائنات بحرية متعددة، ويرتبط به نشاط سياحي واقتصادي يستفيد من بقاء البيئة البحرية سليمة وقادرة على الاحتفاظ بتنوعها وجاذبيتها.
وبينوا “أن الخطر لا يرتبط دائما بتصرف متعمد لإتلاف الشعاب، فقد يبدأ بملامسة غير محسوبة أو ارتكاز معدة تصوير أو حركة زعانف قريبة من القاع، ولذلك؛ ينبغي تقييم طريقة تنفيذ الإعلان كاملة، بدلا من الاكتفاء بالنظر إلى المشهد النهائي الذي سيظهر للجمهور”.
كما أشاروا إلى “أن بعض التكوينات المرجانية حساسة للكسر والاحتكاك، وتكرار الاقتراب غير المنضبط من الكائنات البحرية قد يسبب اضطرابا لها، فيما تستدعي المواد والمنتجات المدخلة إلى الماء فحصا لطبيعتها، لأن اختلاف المكونات وطرق الاستخدام يجعل تقدير مخاطرها مسألة فنية لا يصح حسمها بالانطباع الشخصي”.
وأكد الخبراء أن ذلك لا يعني أن كل تصوير تحت الماء يؤدي بالضرورة إلى الضرر، غير أن غياب التقييم والضوابط قد يزيد احتمالات وقوعه، وهي نقطة جوهرية في فهم التحذير، فالمطلوب ليس إصدار حكم عام على أدوات التصوير أو العاملين فيها، وإنما ضمان ألا تتحول الرغبة في إنجاز إعلان مختلف إلى مبرر لتجاوز اعتبارات السلامة البيئية.
وبالإضافة إلى ذلك، تتضاعف حساسية القضية عندما تصبح الصورة المنشورة نموذجا قابلا للتكرار، إذ قد تدفع حملة تجارية ناجحة جهات أخرى إلى تقليد الفكرة دون إدراك الشروط التي ينبغي توافرها، ما يوسع نطاق الضغط على المواقع البحرية ويجعل التوعية المبكرة وضبط الممارسة أكثر فاعلية من الاكتفاء بالتعامل مع كل مخالفة بعد وقوعها.
وتحضر مراكز الغوص في هذا الملف بوصفها طرفا رئيسا في تنظيم الوصول إلى المواقع البحرية وتوجيه سلوك الزوار، ولذلك، خصها بيان المحمية بالتحذير من تنفيذ الأنشطة المخالفة أو تسهيلها، بما يضع على عاتقها مسؤولية التحقق من استكمال الإجراءات الرسمية وعدم التعامل مع النشاط الإعلاني باعتباره خدمة اعتيادية يمكن تقديمها خارج متطلبات الحماية.
حول ذلك، قال مدرب الغوص سيف الشمايلة “إن سمعة القطاع تعتمد على ثقة الزائر بأن رحلته لا تلحق ضررا بالمكان الذي جاء لاكتشافه، ولهذا، فإن رفض تنفيذ تصوير تجاري دون موافقات يحمي المركز قبل أي جهة أخرى، ويؤكد أن المهنية لا تقاس بجودة الخدمة وحدها، بل بمدى الالتزام بالاشتراطات البيئية أيضا”.
عدم لمس الشعاب
وأضاف “أن الإحاطة السابقة للنزول إلى الماء ينبغي أن تتضمن تعليمات واضحة بشأن عدم لمس الشعاب أو تثبيت المعدات عليها أو ملاحقة الكائنات البحرية للحصول على لقطة، مع ضرورة إيقاف أي تصرف غير آمن فور ظهوره، لأن الحفاظ على الموقع مسؤولية مستمرة طوال النشاط وليست تعليمات تقال في بدايته فقط”.
وعلى المستوى الاقتصادي، لا يبدو الفصل ممكنا بين حماية المرجان وحماية مصالح العاملين في السياحة البحرية، إذ تقوم جاذبية هذه الأنشطة على جودة التجربة الطبيعية التي يقدمها المكان، فيما قد تؤدي الممارسات غير المنضبطة، إذا تكررت، إلى الإضرار بالأصل الذي تستند إليه خدمات الغوص والتصوير والرحلات البحرية وما يرتبط بها من أعمال.
ويرى الخبير في السياحة المستدامة، الدكتور محمد البدور، “أن البيئة البحرية أصل طبيعي تتولد عنه فرص عمل وقيمة سياحية، ومن ثم فإن كلفة الالتزام بالموافقات والتدابير الوقائية ينبغي النظر إليها بوصفها جزءا من كلفة النشاط المسؤول، لا عبئا يمكن تجاوزه”، مشيرا إلى “أن المنشأة التي تربط اسمها باحترام المحمية تستثمر في مصداقيتها على المدى الطويل، بينما قد تخسر العلامة التجارية ثقة جمهورها إذا ارتبط إعلانها بسلوك يهدد البيئة، ولذلك فإن أفضل توظيف تسويقي لجمال العقبة يبدأ بإظهار المسؤولية تجاهه، لا بالاكتفاء باستخدامه خلفية بصرية للمنتج”.
ويمتد هذا الفهم إلى المواطنين الذين يرون في البحر جزءا من هوية مدينتهم ومصدر رزق ومساحة ارتباط بالمكان، فحماية الشعاب ليست قضية تخص الغواصين والباحثين وحدهم، وإنما شأن عام يتصل بحق المجتمع في الاحتفاظ بثروته الطبيعية، وبحق الأجيال المقبلة في التعرف إلى بيئة بحرية لم تستنزفها الاستخدامات العابرة.
ويقول المواطن محمد الخشمان: “إن ما يميز مدينتنا هو الحياة الموجودة تحته، ونحن نريد نشاطا سياحيا يفتح فرص العمل ويجذب الزوار، لكننا لا نريد أن تتحقق منفعة محدودة لجهة تجارية على حساب مورد يستفيد منه أهل المدينة جميعا ويشكل جزءا من صورتها أمام العالم”، مؤكدا “أن تعزيز الوعي ينبغي أن يبدأ من المدرسة والأسرة ويصل إلى الشركات ومقدمي الخدمات، لأن كثيرين قد يشاهدون صورة جميلة دون أن يسألوا عن طريقة التقاطها، بينما نحتاج إلى ثقافة تجعل احترام البيئة معيارا لتقييم الإعلان، مثلما نهتم بجودته الفنية أو بالفكرة التي يقدمها”.

