من كنيسة حمود إلى استشهاد جواد السلايطة: التطرف تهديد للوطن ومسؤولية الجميع // الاء الجبالي

==

 

ليست الحوادث الإرهابية مجرد أحداث أمنية عابرة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها جرائم منفصلة عن سياقها الفكري والاجتماعي؛ فهي تحمل في جوهرها مؤشرات تستدعي التوقف والتأمل في طبيعة الفكر الذي ينتج العنف، والبيئة التي تسمح له بالنمو، والآثار التي يتركها .

من حادثة إطلاق النار التي استهدفت كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، إلى استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة أثناء أدائه واجبه الرسمي في العاصمة عمّان، تتجدد أمام الأردنيين حقيقة أن التطرف لا يستهدف فرداً بعينه، ولا يميز بين مكان عبادة ومؤسسة أمنية أو مواطن آمن، بل يستهدف الإنسان وحقه في الحياة، ويهدد أسس الدولة والمجتمع وقيم التعايش التي تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الأردنية.

إن حادثة كنيسة حمود لم تكن اعتداءً على مكان للعبادة فحسب، بل حملت دلالة خطيرة تتعلق بمحاولة المساس بحرية الإنسان في ممارسة شعائره الدينية، وبالعلاقة التاريخية التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن، باعتبارهم أبناء وطن واحد، وشركاء في تاريخه وحاضره ومستقبله. فالكنيسة والمسجد ليسا مجرد مبنيين، بل رمزان لحق الإنسان في الاعتقاد والعبادة والأمان، والاعتداء على أحدهما هو اعتداء على قيم المواطنة وحرية المعتقد وكرامة الإنسان

 

وبعد أيام، جاءت جريمة استشهاد العريف جواد السلايطة لتؤكد أن الخطر ذاته يمكن أن يمتد إلى رجال الأمن الذين يحملون مسؤولية حماية المجتمع وصون استقراره. فاستهداف رجل أمن أثناء تأدية واجبه ليس اعتداءً على شخصه فقط، وإنما اعتداء على فكرة الدولة وسيادة القانون وعلى حق المواطنين في العيش بأمان. وقد دفع الشهيد جواد حياته ثمناً لواجبه الوطني، ليصبح اسمه حاضراً في ذاكرة الأردنيين بوصفه واحداً ممن قدموا أرواحهم دفاعاً عن أمن الوطن.

وعند قراءة الحادثتين في سياقهما الوطني والفكري، نجد أن القاسم المشترك بينهما يتجاوز طبيعة الجريمة ومكان وقوعها، ليصل إلى جوهر الفكر المتطرف الذي يقوم على إقصاء الآخر، ورفض الاختلاف، وتحويل القناعات المنحرفة إلى مبررات للاعتداء على الحياة والحقوق. فالتطرف يبدأ غالباً بفكرة ترفض الآخر، ثم يتحول إلى خطاب يبرر الكراهية، وقد ينتهي إلى سلوك عنيف يهدد المجتمع بأكمله

 

وهنا تبرز أهمية التمييز بين التدين الحقيقي والتطرف؛ فالأديان في جوهر رسالاتها تدعو إلى حفظ النفس وصون الكرامة واحترام الإنسان، ولا يمكن أن يكون الاعتداء على الأبرياء أو ترويع الآمنين تعبيراً عن الإيمان أو الالتزام الديني. كما أن الاختلاف في الدين أو الفكر أو الرأي لا يمنح أي إنسان الحق في الانتقاص من كرامة غيره أو الاعتداء عليه.

وعلى المستوى الوطني، تكشف هذه الأحداث أن الوحدة الوطنية ليست شعاراً نردده عند وقوع الأزمات، وإنما هي ممارسة يومية ومسؤولية تتطلب حماية الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع، وتعزيز مفهوم المواطنة الجامعة، والوقوف أمام كل خطاب يحاول تقسيم الأردنيين على أساس الدين أو الأصل أو الفكر. فالأردن لم يُبنَ على لون واحد أو مكون واحد، وإنما تشكلت هويته الوطنية من شراكة أبنائه وتضحياتهم، ومن إيمانهم بأن الوطن يتسع للجميع وأن أمنه واستقراره مسؤولية مشتركة.

أما على المستوى الفكري والاجتماعي، فإن مواجهة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها وضرورتها، بل تحتاج إلى مواجهة أعمق تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية. فالفكر المتطرف لا ينشأ فجأة، بل قد يتغذى على الجهل، وضعف الوعي، وخطاب الكراهية، والعزلة الاجتماعية، وغياب الحوار، وسوء استخدام المنصات الرقمية لنشر الأفكار التحريضية. ومن هنا، فإن الوقاية الفكرية والتربوية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط كيف نواجه الجريمة بعد وقوعها، بل كيف نمنع تشكل العقلية التي تقود إليها؟ وكيف نحصّن أبناءنا من الأفكار التي تسلبهم القدرة على تقبل الاختلاف، وتدفعهم إلى النظر إلى الآخر باعتباره خصماً أو تهديداً؟

إن الشباب يمثلون محوراً أساسياً في هذه المعادلة، فهم ليسوا مجرد فئة مستهدفة ببرامج التوعية، بل شركاء في صناعة الحلول. ومن الضروري الانتقال من الخطاب التقليدي الذي يكتفي بتحذير الشباب من التطرف، إلى برامج عملية تمنحهم فرص المشاركة والحوار والمبادرة والعمل التطوعي والسياسي والثقافي، وتساعدهم على امتلاك التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين الاختلاف المشروع والخطاب التحريضي.

كما أن الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني تتحمل مسؤولية مهمة في تعزيز الوعي الوطني، وفتح مساحات للنقاش المسؤول، وتقديم خطاب سياسي واجتماعي يقوم على احترام التعددية، ونبذ الإقصاء، وترسيخ ثقافة الاختلاف. فالحياة السياسية الصحية لا تكتفي بإدارة الاختلاف، بل تحوله إلى فرصة للتفكير والحوار والمشاركة في صناعة القرار

 

أما على المستوى السياسي والمؤسسي، فإن حماية الأمن الوطني تتطلب تكامل الأدوار بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات التشريعية والتعليمية والدينية والاجتماعية، إلى جانب ترسيخ سيادة القانون، ومحاسبة كل من يعتدي على حياة المواطنين أو يحرض على العنف والكراهية. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل منظومة متكاملة تبدأ من الوعي وتنتهي بتطبيق القانون والعدالة.

إن استشهاد العريف جواد السلايطة يجب ألا يبقى مناسبة للحزن واستذكار التضحية فقط، بل ينبغي أن يتحول إلى محطة وطنية لمراجعة أدواتنا في مواجهة التطرف، وتعزيز ثقافة احترام الحياة، وتحصين المجتمع من الأفكار التي تهدد تماسكه. كما أن الاعتداء على كنيسة حمود يجب أن يبقى حاضراً في وعينا بوصفه تذكيراً بأن حماية حرية العبادة والتنوع الديني والعيش المشترك ليست مسؤولية فئة دون أخرى، بل مسؤولية الدولة والمجتمع بكل مكوناته.

إن أخطر ما يمكن أن يحققه الفكر المتطرف هو أن ينجح في زرع الخوف والشك والانقسام بين أبناء الوطن الواحد؛ ولذلك فإن مواجهته تبدأ برفض تحويل الجريمة إلى مناسبة للتعميم أو التحريض أو إثارة الفتن، وتنتهي بتعزيز الثقة والتضامن والاحتكام إلى القانون

وفي المحصلة، من كنيسة حمود إلى استشهاد جواد السلايطة، تتضح رسالة وطنية واحدة: إن التطرف لا يهدد فرداً أو جماعة أو مؤسسة بعينها، بل يهدد الوطن بأكمله. ومواجهته لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بعمل وطني متكامل، يبدأ ببناء الوعي، ويمر بتمكين الشباب، وتعزيز دور المؤسسات، وترسيخ قيم المواطنة، وينتهي بمجتمع يرفض الكراهية ويؤمن بأن الاختلاف لا يلغي الشراكة.

فالأردن الذي يجمع أبناءه تحت مظلة وطن واحد، لا يمكن أن تسمح هويته الوطنية للفكر المتطرف بأن يفرق بين أبنائه. وستبقى حماية الإنسان وكرامته، وصون أمن الوطن واستقراره، مسؤولية الجميع؛ لأن الوطن لا يُحمى بالسلاح وحده، بل يُحمى أيضاً بالوعي والفكر والعدالة ووحدة المجتمع.

 

رحم الله شهداء الوطن شهداء كنيسة الحمود،والشهيد العريف جواد السلايطة ونتمنى الشفاء العاجل للمصابين وحفظ الأردن وأهله، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة