السجون بين الإصلاح والاكتظاظ وواقع التنظير؟


محامي محمد صدقي الغرايبة

–

قراءة واقعبة وقانونية

بحكم عملي السابق في ادارة مراكز الإصلاح والتأهيل وفي معهد تدريب وتدوير مراكز الإصلاح والتأهيل ومن ثم مدعيا عاما فيها وبعدها محاميا مزاولا لمهنة المحاماة وفي ضوء الحديث الدائر حوّل الإفراج عن سجناء الفكر التكفيري وعن وعن دور الامن العام في ذلك ودوره في إصلاح وتأهيل السجناء احببت الأقدم قراءة توضيحية حول هذا الأمر في السطور التالية :

تبدو مشكلة النقاش الدائر حول السجون في الأردن أن كثيرين يتحدثون ويحللون وينتقدون لكن القليل منهم يملك معرفة حقيقية بواقع المؤسسات الإصلاحية وطبيعة التحديات التي تواجهها.

فالسجون ليست مجرد مبان مغلقة تضم أشخاصا محكومين أو موقوفين وإنما بيئات اجتماعية وإنسانية وأمنية معقدة لا يمكن الحكم على واقعها من خلف المكاتب ولا تقييم أدائها بالاستناد إلى النظريات والفرضيات المثالية وحدها.

حتى الأخصائي الاجتماعي مهما بلغت خبرته العلمية لا يستطيع تقديم تقييم واقعي ودقيق للبيئة السجنية ما لم يزر مراكز الإصلاح والتأهيل ويطلع على ظروفها ويتعامل مع نزلائها والعاملين فيها ويدرك طبيعة التحديات التي تواجه إداراتها. .. فالمعرفة النظرية شيء ومعاينة الواقع شيء آخر.

إن القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1955 وما أعقبها من تطوير واعتماد لقواعد نيلسون مانديلا وضعت معايير إنسانية مهمة لمعاملة النزلاء وصون كرامتهم لكنها لا تعني أن جميع الدول تمتلك الإمكانات ذاتها أو أن تطبيق المعايير يتم بالوسائل والوتيرة نفسها. فهناك فروق اقتصادية واجتماعية وثقافية ومؤسسية لا يمكن تجاهلها عند تقييم أي نظام إصلاحي وهذا ما اشارت اليه تلك القواعد وكانت تشير فيتطلع كل قادة عبارة (مع مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية).

ولننظر إلى الفوارق بين بعض التجارب الدولية ففي بعض الدول المتقدمة قد تتوافر للنزيل غرفة مستقلة مجهزة بثلاجة وحاسوب وشاشة وخط إنترنت وغلاية كهربائية مع السماح له بالاحتفاظ ببعض مقتنياته الشخصية وفق ضوابط محددة. وفي المقابل تعجز بعض الدول ذات الإمكانات المحدودة عن توفير المساحة الكافية للنزيل وقد يصل عدد شاغلي بعض المهاجع إلى عشرات الأشخاص يضطر بعضهم إلى النوم على الأرض.

وهذا التفاوت لا ينبغي أن يكون مبررا للتقصير أو الانتقاص من حقوق الإنسان لكنه يفرض علينا أن نقرأ التجارب الدولية في سياقها وأن نميز بين المعايير الإنسانية الواجب احترامها وبين الوسائل والإمكانات اللازمة لتنفيذها.

من المسائل التي تستحق نقاشا موضوعيا طبيعة العلاقة بين الإصلاح والعقوبة. فالعقوبة في فلسفتها القانونية لا تستهدف الانتقام من الجاني وإنما تحقيق الردع العام والخاص وحماية المجتمع وإعادة تأهيل المحكوم عليه.

لكن ذلك لا يعني أن تتحول المؤسسة الإصلاحية إلى مكان للرفاهية المطلقة ولا أن تصبح الإقامة فيها مماثلة للحياة خارجها من حيث جميع الامتيازات والظروف. فحرمان الإنسان من حريته هو جوهر العقوبة السالبة للحرية ويجب أن تبقى العقوبة ذات أثر رادع دون أن يتحول تنفيذها إلى مساس بالكرامة الإنسانية أو انتقاص من الحقوق الأساسية.

ولنتصور للحظة أن السجون في مجتمعاتنا العربية أصبحت توفر لكل نزيل غرفة خاصة وجميع وسائل الراحة والترفيه والاتصال فهل يكفي ذلك وحده لجعل السجون بيئة جاذبة للجريمة. بالطبع لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بهذه البساطة لأن الردع لا تصنعه قسوة الظروف المعيشية داخل السجن وإنما تصنعه فاعلية القانون واحتمالية المساءلة وعدالة العقوبة وما تتركه من أثر في سلوك المحكوم عليه.

وهنا لا بد من التمييز بين تحسين ظروف الاحتجاز التي تفرضها المعايير الإنسانية وبين تحويل السجن إلى مكان يوفر امتيازات غير متاحة للمواطن الملتزم بالقانون.

في الأردن لدينا تجربة مؤسسية تستحق الإشارة تتمثل في معهد تدريب وتطوير مراكز الإصلاح والتأهيل الذي اضطلع بدور مهم في إعداد العاملين وتطوير قدراتهم وتبني برامج تدريبية وتوعوية وتأهيلية بما فيها البرامج المرتبطة بمواجهة الفكر المتطرف وتعزيز السلوك الإيجابي داخل المؤسسات الإصلاحية.

لكن علينا أن نعترف بأن وجود البرامج والخطط لا يكفي وحده لتحقيق الإصلاح ما لم تتوافر البيئة المناسبة لتنفيذها.

فالبنية التحتية لمراكز الإصلاح والتأهيل تواجه تحديات حقيقية وفي مقدمتها الاكتظاظ الذي لا يقتصر أثره على المساحة المتاحة للنزيل أو مستوى الخدمات المقدمة له بل يمتد إلى قدرة الإدارة على تصنيف النزلاء وفصل الفئات المختلفة وتنفيذ البرامج التعليمية والمهنية والنفسية والاجتماعية بصورة فعالة.

فكيف يمكن أن نتحدث عن برنامج إصلاحي فردي لكل نزيل في مؤسسة تعاني من أعداد تفوق طاقتها الاستيعابية. وكيف يمكن للأخصائي الاجتماعي أن يؤدي دوره على الوجه المطلوب عندما يكون عدد الحالات التي يتعين عليه متابعتها أكبر من قدرته المهنية والزمنية.

إن الاكتظاظ لا يرهق النزيل وحده بل يرهق الإدارة والعاملين ويضعف فرص نجاح العملية الإصلاحية برمتها.

والأهم من ذلك أن معالجة هذه المشكلة لا تقع على عاتق مديرية الأمن العام وحدها فالأسباب تتوزع بين التشريعات والسياسات الجزائية والممارسات القضائية ولا سيما التوسع في التوقيف قبل المحاكمة في بعض القضايا التي قد تتوافر فيها بدائل قانونية مناسبة.

لقد أدرك المشرع الأردني أهمية الحد من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم فأوجد في قانون العقوبات بدائل متعددة من بينها الخدمة المجتمعية والبرامج التأهيلية والعلاج من الإدمان والمراقبة الإلكترونية وحظر ارتياد أماكن محددة والإقامة المنزلية المقترنة بالمراقبة الإلكترونية.

وهذه البدائل ليست مجرد تخفيف للعقوبة بل هي أدوات قانونية تحقق غايات متعددة فهي تحافظ على استقرار المحكوم عليه الأسري والمهني وتقلل من اختلاطه بالمجرمين الأكثر خطورة وتحد من الأعباء المالية والإدارية المترتبة على إيداعه في مراكز الإصلاح والتأهيل.

وقد اتسع نطاق هذه البدائل بموجب التعديلات التشريعية الأمر الذي يستدعي تفعيلها بصورة مدروسة والتوسع في تطبيقها حيث تسمح طبيعة الجريمة وظروف مرتكبها بذلك مع المحافظة على حقوق الضحايا ومقتضيات حماية المجتمع.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب توجيه السياسة الجزائية نحو إعطاء الأولوية للعقوبات البديلة في الحالات التي تحقق فيها الغاية العقابية بدلا من جعل إيداع السجن هو الخيار الأول في كل قضية.

فليس من المنطق أن نطالب بتطوير السجون وتوسيعها وزيادة كوادرها ثم نتجاهل الأدوات التشريعية التي يمكن أن تخفف أعداد الداخلين إليها من الأساس.

أما ما شهدناه خلال الأسابيع الماضية من أحداث مؤلمة وما تبعها من توجيه أصابع الاتهام إلى منظومة الأمن العام فإن الإنصاف يقتضي أن نتوقف أمام طبيعة الدور الذي يقوم به هذا الجهاز وحدود الصلاحيات التي يمنحها له القانون.

وأقول ذلك دون أن أكون في معرض الدفاع عن أي جهة أو تبرير أي تقصير محتمل وإنما من باب وضع المسؤولية في إطارها الصحيح.

فمديرية الأمن العام بما فيها إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل جهاز تنفيذي يعمل وفق أحكام القانون والقرارات الصادرة عن الجهات القضائية المختصة وليس جهة تملك صلاحية إصدار الأحكام أو إلغائها أو تعديل مدد التوقيف والمحكومية وفق تقديرها الشخصي.

وقد نظم قانون مراكز الإصلاح والتأهيل هذه المسألة بوضوح إذ أوجب على مدير المركز إطلاق سراح النزيل عند انتهاء مدة الحكم أو التوقيف. كما لا يجوز الاحتفاظ بأي نزيل بعد انتهاء المدة المحددة في قرار الجهة المختصة ما لم يتم تجديد توقيفه بصورة قانونية.

وبالتالي فإن مدير المركز لا يملك إبقاء شخص انتهت مدة توقيفه أو محكوميته دون سند قانوني كما لا يملك إطلاق سراح نزيل ما زال خاضعا لقرار توقيف أو حكم واجب التنفيذ.

إن رجل الأمن لا يستطيع أن يتجاوز حدود الصلاحيات التي رسمها القانون له وأي تجاوز غير مشروع قد يرتب مسؤولية قانونية وجزائية أو مسلكية بحسب الأحوال.

ومن هنا فإن تحميل جهاز الأمن العام وحده مسؤولية الاكتظاظ أو استمرار توقيف أعداد كبيرة من الأشخاص دون النظر إلى أسباب التوقيف والقرارات القضائية والتشريعات الناظمة له هو اختزال لمشكلة متعددة الأطراف في جهة واحدة.

إن إصلاح السجون ومعالجة الاكتظاظ يتطلبان رؤية وطنية متكاملة تبدأ من التشريع وتمر بالقضاء والنيابة العامة ولا تنتهي عند إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل.

ونحن بحاجة إلى مراجعة جادة لسياسات التوقيف والتوسع المدروس في العقوبات البديلة وتطوير البنية التحتية وزيادة الكوادر المتخصصة وتعزيز برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني وإعادة النظر في آليات تصنيف النزلاء وفصلهم وفق طبيعة الجرائم ودرجة الخطورة.

كما ينبغي ألا نغفل أن قواعد نيلسون مانديلا تجعل إعادة الإدماج وتقليل احتمالات العودة إلى الجريمة من الغايات الأساسية للعقوبة وتؤكد في الوقت ذاته أن ظروف المعيشة الأساسية والمساحة الشخصية والرعاية الصحية والنظافة ليست امتيازات اختيارية. فالإمكانات الاقتصادية قد تؤثر في وسائل التنفيذ لكنها لا تلغي الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية.

وعليه يمكن القول بان السجون ليست مسؤولية الأمن العام وحده كما أن الاكتظاظ ليس مشكلة يمكن حلها ببناء مزيد من الغرف والأسوار.

المشكلة تبدأ عندما نتوسع في استخدام التوقيف ونتردد في تفعيل البدائل القانونية ونطالب المؤسسات الإصلاحية بتحقيق نتائج مثالية في بيئة تعاني من ضغوط تفوق إمكاناتها.

ولذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم المؤسسات بمعزل عن التشريعات والقرارات التي تعمل بموجبها وألا نبرئ أي جهة من المساءلة إذا ثبت تقصيرها وفي الوقت نفسه ألا نحملها مسؤولية ما لا تملك سلطة تغييره.

لسنا بحاجة إلى مزيد من التنظير حول السجون بقدر حاجتنا إلى معرفة واقعها من الداخل ولسنا بحاجة إلى تبادل الاتهامات بقدر حاجتنا إلى إصلاح المنظومة التي تنتج الاكتظاظ وتحد من فرص التأهيل.

فالسجن الذي لا ينجح في إعادة تأهيل نزيله قد يعيد إلى المجتمع خطرا أكبر مما استقبله وهذه هي الخسارة الحقيقية التي ينبغي أن نتكاتف لتجنبها.

دمتم بخير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.