“أم الوليد”.. موقع أثري يحتفظ بشواهد معمارية وتاريخية

 

على امتداد الطريق المؤدي إلى منطقة أم الوليد في لواء الجيزة جنوب العاصمة عمان، تتكشف ملامح موقع أثري يحتفظ بشواهد معمارية وتاريخية تعود إلى عصور مختلفة، في مقدمتها الفترة الأموية، حيث تنتشر القصور والمنشآت الأثرية والمائية التي تعكس طبيعة الحياة والاستقرار والعمران في المنطقة، وتؤكد ما تمتلكه من قيمة تاريخية تستحق مزيدا من الاهتمام والحماية والترويج السياحي.

وتحمل “أم الوليد” إرثا تاريخيا متنوعا، جعلها من المواقع التي تستحق أن تحضر على خريطة السياحة الثقافية والأثرية في المملكة، خصوصا أن معالمها لا تقتصر على القصور الأموية، بل تمتد إلى منشآت مائية ومبان وكهوف أثرية تكشف عن تعاقب فترات تاريخية وحضارية على المنطقة.
وترد تسمية أم الوليد، وفق رواية متداولة، إلى ولادة بنت العباس، والدة الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك بن مروان، إذ يقال إنها أقامت في قصر الحكم خلال عهد الخليفة عبدالملك بن مروان، وهي رواية ترتبط بتاريخ المنطقة وتسميتها، وإن كانت بحاجة إلى توثيق تاريخي يحسم تفاصيلها.
وتناول عالم الآثار الأردني الدكتور زيدان كفافي، رئيس جامعة اليرموك الأسبق، في كتابه “خواطر في الآثار والتاريخ القديم”، تاريخ “أم الوليد” ومعالمها الأثرية، مسلطا الضوء على قصورها الأموية ومسجدها الأثري والمنشآت المائية التي كشفت عنها الأعمال الأثرية، وما تمثله هذه الشواهد من أهمية في قراءة تاريخ الاستقرار والعمران في المنطقة.
وتضم “أم الوليد” ثلاثة قصور أموية، هي: القصر الأوسط والشرقي والغربي، ويعد القصر الرئيس أبرزها من الناحية المعمارية، إذ يتخذ شكلا مربعا يبلغ طول ضلعه نحو 70.5 متر، وتدعم جداره الخارجي 15 دعامة نصف دائرية، فيما يتوسطه فناء تحيط به خمس وحدات تضم 23 غرفة، في تصميم يعكس طبيعة العمارة التي سادت خلال العصر الأموي.
وعلى مسافة تقارب 600 متر إلى الشرق من القصر، يقع مسجد أثري يشكل جزءا من المشهد المعماري للموقع، وله مدخلان، أحدهما شرقي يؤدي إلى فناء مستطيل، وآخر من الجهة الشمالية، فيما يقوم سقفه على أربعة أعمدة وأقواس ودعامات خشبية، بما يعكس جانبا من تخطيط المساجد في تلك الفترة.
وشهد الموقع أعمالا أثرية كشفت عن مجموعة من القطع التي تقدم صورة عن طبيعة الحياة اليومية واستخدام مرافق القصور، إذ زارت بعثة سويسرية المنطقة في العام 1988، وعثرت على أوان برونزية شملت أباريق وأطباقا ومباخر، من بينها مباخر مزخرفة ومغطاة، إلى جانب جرار فخارية تحمل خطوطا بنية داكنة.
وقد رُممت بعض هذه القطع في مختبرات جنييف، فيما تشير المكتشفات إلى استخدام القصر خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين.
ومن الشواهد اللافتة أيضا عتبة حجرية مزخرفة عثر عليها في ممر يقع إلى الشمال الغربي من القصر، وتحمل مشهدا لأسد يطارد غزالا، وقد وجدت على جزأين قبل أن تخضع لأعمال الترميم، لتشكل نموذجا من الزخارف الفنية التي رافقت العمارة في تلك المرحلة.
ولا تتوقف أهمية “أم الوليد” عند القصور والمسجد، إذ تضم المنطقة منشآت مائية، من بينها سدا القناطر وعربينبة الغربية، وهما شاهدان على أساليب جمع المياه والاستفادة منها في الزراعة وتلبية احتياجات السكان، بما يعكس أهمية إدارة الموارد المائية في المناطق التي شهدت استقرارا عمرانيا وزراعيا.
وفي حارة الحيشان، تظهر بقايا مبان وكهوف يعتقد أنها ارتبطت بأنشطة خدمية وتجارية وأماكن للاستراحة خلال الفترة الرومانية، كما عثر في المنطقة على نقود تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، الأمر الذي يضيف بعدا آخر إلى المشهد الأثري ويشير إلى استمرار النشاط البشري فيها عبر مراحل متعاقبة.
كما تبرز قلعة الحيري بوصفها أحد المعالم التي تثير الاهتمام، في ظل تعدد الآراء حول أصولها التاريخية، إذ تطرح احتمالات بشأن ارتباطها بالفترتين النبطية أو المؤابية، فيما تشير الأبراج القائمة فيها إلى احتمال استخدامها لأغراض المراقبة والدفاع، وهي تفاصيل تحتاج إلى مزيد من الدراسات الأثرية لتحديد طبيعة الموقع ووظيفته بصورة أدق.
ويرى أهالي “أم الوليد” أن ما تزخر به منطقتهم من معالم أثرية وتاريخية يستدعي اهتماما أكبر من الجهات المعنية، مؤكدين ضرورة وضع خطة واضحة لحماية هذه المعالم وصيانتها والتعريف بها، وعدم الاكتفاء بوجودها بوصفها شواهد تاريخية بعيدة عن البرامج السياحية.
ويطالبون بتوفير اللوحات الإرشادية، وتحسين الطرق والمسارات المؤدية إلى المواقع، وإدراج أم الوليد ضمن المسارات السياحية المعتمدة، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية التي تشجع الزوار على زيارتها.
وأكد محمد الدهامشة، من سكان “أم الوليد”، أهمية إيلاء الموقع الأثري اهتماما كبيرا من الجهات المختصة، والعمل على الترويج له سياحيا والحفاظ على إرثه التاريخي، باعتباره حاضنة لشواهد حضارية متعددة تركت آثارها في القصور والمنشآت الأثرية. وأشار إلى أن هذا التنوع يستحق التعريف به وإبرازه من خلال تنفيذ أعمال الصيانة والترميم، وتوفير اللوحات الإرشادية، وتحسين الوصول إلى المعالم الأثرية، بما يساهم في استقطاب الزوار والتعريف بتاريخ المنطقة ومكانتها التراثية.
من جهته، أكد فيصل علي، الذي يزور “أم الوليد” باستمرار بحكم صلة النسب بالمنطقة، أهمية حماية المعالم الأثرية وتأهيلها والترويج لها سياحيا، لافتا إلى أن غياب اللوحات الإرشادية وضعف الترويج وعدم تأهيل بعض المواقع يحد من وصول الزوار إليها والتعرف على معالمها.
وشدد على ضرورة إدراج “أم الوليد” ضمن الخطط والبرامج السياحية، وتوفير الخدمات اللازمة التي تساعد على استثمار مقوماتها التاريخية والأثرية.
وتبرز الحاجة إلى تحرك الجهات المعنية، وفي مقدمتها الجهات المسؤولة عن الآثار والسياحة، لوضع برنامج عمل يتضمن حصر المعالم وتوثيقها، وتحديد أولويات الصيانة والترميم، وتأمين المواقع وحمايتها من التعديات، وتركيب اللوحات التعريفية والإرشادية، وتحسين طرق الوصول إليها، فضلا عن إعداد مواد ترويجية تعرف بتاريخها وأهميتها.
وتمتلك “أم الوليد” مقومات تؤهلها لتكون محطة ضمن المسارات السياحية والأثرية في محافظة العاصمة والمناطق المحيطة بها، ولا سيما مع قربها من طريق المطار وموقع أم الرصاص، وما يتيحه ذلك من إمكانية ربطها بمواقع أخرى ضمن برامج الزيارة السياحية.
إن حماية إرث “أم الوليد” لا تقتصر على صيانة مبان قديمة أو الحفاظ على أطلال أثرية، بل تتطلب رؤية متكاملة تحول هذه الشواهد إلى قيمة ثقافية وسياحية واقتصادية، وتمنح أبناء المنطقة فرصة للمشاركة في التعريف بتاريخها والاستفادة من مقوماتها. فالموقع بما يضمه من قصور ومسجد ومنشآت مائية أثرية، يستحق أن ينتقل من دائرة المعرفة المحدودة إلى حضور فاعل على خريطة السياحة الوطنية.

 

 أحمد الشوابكة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة