العشائر الأردنية ومحاربة الفكر المتطرف… ألم يأن الأوان للانتقال من بيانات الشجب والاستنكار إلى الأفعال ؟

منذر محمد الزغول
–
تابعت كغيري من أبناء الوطن الأعمال الإرهابية الجبانة التي ضربت بحقدها وغلّها الأبرياء الآمنين من مجتمعنا الأردني المعروف بوسطيته واعتداله، حيث أصبح الإرهاب يستهدف كل شيء في وطننا وفي كل دول العالم.
العشائر الأردنية بدورها انتفضت وعبّرت عن كل ما يجول في خاطرها من غضب شديد على هذه الفئة المتطرفة التي لا تخاف الله ولا تتقيه، بل إن الأمر زاد كثيراً عند بعض أبناء العشائر للمطالبة بتغييرات حكومية واسعة وفي المناصب القيادية لبعض مؤسسات الدولة الأمنية، وكأن الأمر سينتهي بمجرد إحداث تغييرات في هذه المواقع، وتناسى أبناء العشائر أن الأردن مستهدف منذ سنوات طويلة، شأنه شأن غيره من الدول العربية المجاورة.
لذلك، في كل مرة يطلّ فيها الفكر المتطرف برأسه، أو نشهد حادثة تهدد أمن المجتمع واستقراره، تتسابق البيانات العشائرية إلى الظهور، محمّلة بعبارات الاستنكار والشجب والتأكيد على الوقوف خلف الوطن وقيادته وأجهزته الأمنية، وهي بالتأكيد مواقف مقدّرة ومطلوبة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل هذا كل ما تستطيع العشائر تقديمه في مواجهة الفكر المتطرف؟ وهل اختُصر دورها في إصدار البيانات والمشاركة في بيوت العزاء وملء صفحات التواصل الاجتماعي بالخطابات الرنانة وكيل الشتائم وانتظار انتهاء الحدث؟
العشائر الأردنية لم تكن يوماً مجرد مكوّن اجتماعي، بل شكّلت عبر تاريخ الدولة الأردنية ركيزة أساسية في بناء المجتمع، وحاضنة للقيم الوطنية، وصاحبة دور مؤثر في الإصلاح وحل النزاعات وتعزيز السلم الأهلي، ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتقها اليوم أكبر من مجرد إعلان المواقف، فهي تمتلك من المكانة والتأثير والامتداد الاجتماعي ما يؤهلها للقيام بدور حقيقي في مواجهة كل فكر يحاول اختراق المجتمع أو العبث بثوابته.
إن محاربة التطرف لا تكون فقط بالمواقف العلنية، ولا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن المسجد، ومن المجالس العشائرية التي ما زالت تشكّل مساحة مؤثرة في تشكيل الوعي وتوجيه الأجيال، وهنا تحديداً يجب أن يكون للعشائر دور فاعل، من خلال نشر ثقافة الاعتدال، ورفض خطاب الكراهية، ومواجهة الأفكار المنغلقة، وعدم توفير أي غطاء اجتماعي لمن يروّج للعنف أو يحاول تبريره تحت أي مسمى.
المطلوب أن تتحول المواقف إلى مبادرات، وأن تكون هناك لقاءات حقيقية مع الشباب، وحوارات مفتوحة تستمع إلى أسئلتهم ومخاوفهم، وبرامج توعوية تشارك فيها العشائر بالتعاون مع المؤسسات التربوية والدينية والثقافية والأمنية، كما أن من واجب الشخصيات العشائرية المؤثرة أن تتحدث بوضوح مع أبنائها، وأن تضع حدوداً فاصلة بين الاختلاف في الرأي وبين التطرف، وبين حرية التعبير وبين التحريض على العنف.
إن العشائر التي كان لها عبر تاريخ بلدنا الغالي دور في حماية النسيج الاجتماعي وإطفاء الفتن وإصلاح ذات البين، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن تكون في مقدمة الجهود التي تحمي المجتمع من الأفكار الهدامة، لا أن تكتفي بردة الفعل بعد وقوع الأحداث. فالمطلوب موقف استباقي، وحضور دائم، ومسؤولية لا ترتبط بحدث عابر أو مناسبة مؤقتة.
لقد آن الأوان أن نطرح السؤال بصراحة: إلى متى ستبقى العشائر تكتفي ببيانات الشجب والاستنكار؟ ومتى نرى دوراً منظماً ومبادرات حقيقية على أرض الواقع؟
إن مكانة العشائر لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها، بل بحجم الأثر الذي تتركه في المجتمع، وبقدرتها على حماية أبنائها، وتعزيز وعيهم، وترسيخ قيم الانتماء والاعتدال.
فالأوطان لا يحميها الشجب والاستنكار وحده، ولا تُصان وحدتها بالكلمات فقط، وإنما تحميها المواقف الصادقة والعمل المسؤول والشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها، فبالنهاية، معالجة قضايا التطرف والعنف ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية والجيش والوزارات والمؤسسات المعنية فقط ، بل إن العشائر يجب أن يكون لها الدور الأبرز في هذا المجال، متأملاً أن نرى في قادم الأيام اجتماعات عشائرية مكثفة لمعالجة هذه الظواهر الغريبة علينا وعلى مجتمعنا، ولا بد أن نتخذ خطوات استباقية هامة، فالأهم في هذه القضايا إيجاد الحلول المناسبة لها قبل أن يحدث، لا سمح الله ولا قدّر، ما يعكر صفو الأمن في بلدنا، وأن نخسر مزيداً من الأبرياء ونرى المزيد من بيوت العزاء في هذا الوطن الذي علّم الدنيا كلها كيف تكون الإنسانية وكيف يكون العدل.
والله من وراء القصد ،،،
بقلم / منذر محمد الزغول
ناشر ومدير وكالة عجلون الاخبارية

