بعد عقدين من تفجيرات عمان.. التراب الطاهر يلفظ الإرهاب.. والأردنيون يجابهونه بصلابة

بعد عقدين على تفجيرات عمان في العام 2005، والتي يصادف وقوعها اليوم، فإن ذكرى هذه الجريمة النكراء، تتزامن مع وقوع جريمتين إرهابيتين، الأولى أصابت بلدة حمود بمحافظة الكرك، حين شارك 5 إرهابيين بمهاجمة كنيسة الشهداء في البلدة، وارتقى إثرها 9 شهداء. أما الثانية، فارتكبها إرهابي، الخميس الماضي في عمان، ارتقى فيها مرتب الأمن العام جواد السلايطة شهيدا، أثناء تأديته واجبه بحراسة سفارة سريلانكا.
ما تزال ذاكرة الأردنيين برغم مرور نحو 21 عاما على تفجيرات عمان، تحفظ ما حدث في تلك الفاجعة الأليمة، التي وقعت أحداثها المأساوية في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، وارتقى إثرها 57 شهيدا، وأصيب أكثر من 100 شخص، بعد إقدام ثلاثة إرهابيين انتحاريين يرتبطون بتنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” الإرهابي، على تفجير أنفسهم بواسطة أحزمة ناسفة في 3 فنادق بعمان، فجرت في أحدها قاعة احتفالات أثناء حفل زفاف محتشد بالمدعوين.
وبين ثلاث فجائع: تفجيرات عمان وكنيسة الشهداء بالكرك والهجوم على الشهيد السلايطة أثناء تأديته واجبه، ثمة محطات أطل فيها الإرهاب برأسه على الأرض الأردنية، فخيم على الأردنيين الحزن والغضب، والرفض للإرهاب وأدواته الوحشية.
لكن ما ينكأ الجراح أن الإرهاب يعتدي على الحق بالحياة، ويتغذى على الدم، ويعيش في العتمة، وإذا أطل برأسه، فإنه يخرج مموهاً، مشحونا بالموت والخراب، متسللا ومتخفيا، ليرتكب جرائمه بالغدر والخداع والكراهية.
في آخر جريمة، اعتدى فيها إرهابي على الشهيد السلايطة، تبدت في المشهد الفجائعي لهذا الفعل المستنكر، حالة تربص غادر بالشهيد الذي يؤدي مهمته في حراسة هيئة دبلوماسية، وسط عمان.
وفي وضح النهار، مضى الإرهابي غير آبه بقوانين الأرض والسماء، ولا بالأعراف والتقاليد، ولا بقيم الحق والعدل، مشحونا بكراهيته لأي مظهر من مظاهر الحياة، لينقض غيلة وغدرا على شاب يمنح الآخرين الأمن والحماية. حاول الإرهابي انتزاع بندقية الشهيد السلايطة الذي لم يستسلم وهو يدافع عن المكان، ويتمسك ببندقيته خشية أن ينتزعها المجرم منه، ويعود لاستخدامها بمهاجمة من في الموقع.
فشل الإرهابي في مهمته، بعد أن هاجمه رجال الأمن، واندفع نحوه الملازم الثاني فراس العنانزة، الذي أصيب في وجهه، لكنه تمكن من إصابة الإرهابي، ومنعه من تنفيذ جريمته بمهاجمة آخرين.
هنا يكمن تشابه بين تفجيرات عمان والهجوم الإرهابي على كنيسة الشهداء، ففي الجريمتين كان المستهدفون مدنيين، وهو فعل الجبناء الذي تقوم به التنظيمات الإرهابية، وذلك لسهولة الوصول إلى المدنيين، سعيا لتحقيق بعض أهدافهم الوحشية، بخلق حالة رعب وارتباك وذعر في المجتمع، وزعزعة الشعور بالأمن والاستقرار.
ومثل هذا الهدف لم يؤت أكله، بل ارتد على الإرهابيين وتسبب في سحقهم، فقد شهدت التجربة الأردنية بعد كل عمل إرهابي تعرض له الأردنيون، تكاتفا واسعا مع ضحايا الإرهاب وأسرهم، ولاحقت الأجهزة الأمنية الإرهابيين أينما كانوا، وعاقبتهم، وحصنت الأردنيين ضد هذا السرطان الذي ضرب المنطقة. ولعل ما ارتكبه الإرهابيون الذين أحرقوا الشهيد معاذ الكساسبة في العام 2015، أحد الشواهد على رفض هذه الجرائم النكراء، حتى إن الأردن بقي يطارد مرتكبي الجريمة حتى أرداهم في عقر أوكارهم.
الارتباط التنظيمي
في هذا النطاق، فإن الإرهابيين صنيعة التطرف، وما تعمل عليه تنظيمات متصلة في فكرها الإجرامي بعضها ببعض، لا تردع إلا بمحوها وتجفيف منابعها. ولعل إرهابيي تفجيرات عمان الذين ارتبطوا تنظيميا بـ”القاعدة في بلاد الرافدين” مثال على حملة الفكر التكفيري، فعند تنفيذ جريمتهم في عمان، أعلن تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” الذي كان يقوده القتيل أبو مصعب الزرقاوي، مسؤوليته عن الجريمة.
وهنا فإن قراءة مجريات الاعتداء الإرهابي على كنيسة الشهداء، تكشف عن أن مرتكبيها جمعهم هذا الفكر التكفيري المتطرف، مرتبط بتنظيم إرهابي في الجنوب السوري.
وعندما وقعت تفجيرات عمان، وسارع “القاعدة في بلاد الرافدين” بنشر بيان يتبنى فيه الجريمة التي شاركت فيها امرأة (الإرهابية ساجدة الريشاوي)، سارعت الأجهزة الأمنية الأردنية، بالبحث والتحري حول هذه الجريمة المروعة، فكشفت الأجهزة حينها عن تاريخ دخول المتهمين من العراق إلى الأردن. وقبض على الإرهابية وأحيلت إلى القضاء مع متهمين آخرين، وأنزلت بها عقوبة الإعدام.
في هذا السياق، وصلت دائرة المخابرات العامة إلى أدق التفاصيل حول تنفيذ العملية وعناصرها، ومن ثم قبضت الأجهزة على الإرهابية الريشاوي التي شاركت الانتحاريين بالجريمة، غير أن الحزام الناسف الذي كانت ترتديه، منعها من تنفيذ جريمتها.
وعندما وقعت جريمة كنيسة حمود، كشف النقاب عن الفاعلين خلال يومين من وقوع الجريمة، وضبطوا في مداهمة مسلحة، وحولوا إلى محكمة أمن الدولة، وحوكموا بالتهم التي حوكم بها منفذو تفجيرات عمان.
في العام 2006 تمكن الأردن من الإيقاع بمن ارتكبوا تفجيرات عمان، بعد أن مررت الأجهزة الأمنية معلومات عن مكان وجود الزرقاوي، وأجهزت عليه وعلى من معه.
وردا على جريمة كنيسة الشهداء، نفذت طائرات سلاح الجو الملكي قصفا لعناصر إرهابية في الجنوب السوري، أجهزت على عشرات الإرهابيين بينهم قياديون إرهابيون.
حافظ الأردنيون دائما على وتيرة رفضهم لأي فعل جرمي يمس أمنهم وأمن بلدهم، لذا تجلت روح التكاتف لديهم في مواجهة كل أشكال الإرهاب، وعملت الدولة بأجهزتها كافة، على تعزيز روح الرفض المجتمعي لهذه الآفة، ونبذ صانعيها، وهو ما تجلى في خطابها الحريص على أمن المجتمع ولحمته.
اعتمدت المملكة نهجا شاملا في محاربة الإرهاب، يجمع بين الردع القانوني، ومواجهته فكريا، وتجفيف منابع تمويله، وتعزيز الرقابة الرقمية لمتابعة كل ما يمت له بصلة، وإعادة تأهيل من وقعوا في فخاخه، لتحقق بذلك ردعا استباقيا للإرهاب.
وتجلى ذلك في عدة أطر، أبرزها الإطار القانوني، إذ أقر قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006، ومن ثم تعديلاته في العام 2014، وهو يفيد بتجريم الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية، أكان ذلك في نطاق تجنيد الأفراد، أو تمويل التنظيمات، أو التحريض على الإرهاب، أو حيازة أسلحة بقصد القيام بأعمال إرهابية، وأوقع عقوبات على من يخالفه، تبدأ بالأشغال الشاقة وصولا إلى الإعدام.
كما أقر قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في العام 2007، وهو يجرم تمويل الإرهاب، ويراقب التحويلات المشبوهة عبر وحدة في البنك المركزي. وفي الوقت نفسه، فإن قانون الجرائم الإلكترونية أيضا يجرم الترويج للإرهاب وتجنيد الأفراد، والمحرضين على القيام بأفعال وأعمال إرهابية عبر الإنترنت. كما جرم قانون العقوبات أيضا خطاب الكراهية، والتحريض على الفتنة، والاعتداء على دور العبادة.
أمس، أقر مجلس الوزراء حزمة تشديدات بصفة الاستعجال، تفيد برفع الحد الأدنى للعقوبات التي تتعلق بقضايا الإرهاب، من 5 إلى 10 سنوات، وإلى 15 سنة في بعض الحالات، وصولا إلى الإعدام. وجمع مدد العقوبات عند تعدد الجرائم بدلا من العقوبة الأشد فقط، وألغى الإفراج المبكر عن المحكومين بالإرهاب، وألزم بقضاء كامل المدة، كما احتسب سنة الحبس 12 شهرا بدلا من 9 أشهر لمرتكبي الجرائم الإرهابية، وفرض تدابير احترازية إلزامية عليهم بعد السجن، تتمثل بمراقبتهم إلكترونيا، وتتبعهم والإقامة الجبرية، ومضاعفة العقوبة على المحرض والمتعاون والمتدخل.
إلى جانب المواجهة التشريعية لمحاربة الإرهاب، أقرت المملكة إستراتيجيات لمحاربة الإرهاب والتطرف، أبرزها رسالة عمان في العام 2004، وهي وثيقة فكرية مرجعية، تؤكد وسطية الإسلام وحرمة تكفير المسلمين وحرمة الدماء.
أما الإستراتيجية الوطنية لمواجهة التطرف العنيف التي أقرت في العام 2014، فترتكز على 3 محاور هي: المحور الثقافي الديني، والمحور الديمقراطي، ومحور حقوق الإنسان والتسامح. وعنها انبثقت وحدة مواجهة التطرف في رئاسة الوزراء.
وكذلك فإن إستراتيجية تجفيف المنابع، تعمل على تتبع التمويل وتجميده، والرصد السيبراني للخلايا الرقمية، وفصل المتطرفين في السجون، إلى جانب برامج المناصحة والحوارات الدينية في مراكز الإصلاح من قبل وزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء.
شكلت مهمة تحصين الأردن والأردنيين من الإرهاب، بتعزيز التزاماته الدولية إزاء هذه الآفة الوحشية، فالأردن عضو في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الإرهابي. كما أنه طبق قرار مجلس الأمن 1373 الخاص بتمويل الإرهاب، وقرار 2178 الخاص بتجريم المقاتلين الأجانب.

