حرب متطوّعين


الدكتور رشيد عبّاس

=

ظاهرة التطوّع في الحروب ظاهرة ليست جديدة, إنما كانت وما زات تظهر في جميع الحروب التي خاضها الإنسان ويخوضها اليوم على هذه البصيرة التي نعيش عليها, والتطوّع قد يكون من الداخل, أو من الخارج, وعادة ما يوضع هؤلاء المتطوّعين في الخطوط الخلفية لساحات القتال كمساندين للجيش الرسمي المقاتل, وقد ظهر في صفوف المتطوّعين في كثير من الحروب والغزوات رجال كما هو الحال في غزو (العراق), ونساء كما هو الحال في غزو (أفغانستان), وأطفال كما هو الحال في حرب (اليمن), وطلبة مدارس وجامعات كما هو الحال في الحرب الأهلية الإسبانية, اما في الحرب العالمة الأولى والثانية فقد ظهر أصناف وأشكال من المتطوّعين المتقدمين في السن من كل ما هب ودب.   

أظهرت بعض التقارير في الحروب والغزوات الماضية أن بعض المتطوّعين لديهم خبرات قتالية والبعض الآخر ليس لدية أية خبرات قتالية, ثم بيّنت تلك التقارير أن أهداف المتطوّعين كانت متباينة ومختلفة في كل حرب وغزوة, فمنهم من كانت أهدافه متعلقة بالمبادئ والأيدولوجيات, ومنهم من كانت أهدافه متعلقة بالجوانب المالي والمعيشية, ومنهم من كانت أهدافه انتقامية, ومهما كانت أهداف هؤلاء المتطوّعين سواء كانوا من داخل مكونات الدول المتحاربة, أو من خارج مكونات الدول المتحاربة, فانهم يبقوا دون شك (حمولة زائدة) على عاتق وعلى أكتاف المقاتلين الرسميين في ساحات القتال.

يعتقد البعض أن التطوّع للقتال واجب وعمل نبيل لكنه يضيف مخاطر لوضع متفجر, فقد يجلب المتطوّعين تداعيات قد تعقد المشهد أكثر مما يقدمون من مساعدة, فقد ترتفع حوادث الإرهاب والموت وبشكل كبير في مواقع النزاع, وتكون الآثار اللاحقة للمشاركة خطيرة على الدول بعد عودة المقاتلين وهم يحملون معهم صدمات الحرب إلى بلادهم, فبعضهم لديهم خبرة قتالية، ولكن أعدادا من المدنيين يذهبون إلى هناك بدون أي خبرة أو معرفة بقوانين الحرب تضبط سلوكهم، ثم أن تواجد المتطوّعين قد يطيل أمد الحرب, فكلما زاد اللاعبون الخارجون في النزاع كلما طال أمد الحرب وزادت دمويتها, وفي بعض الحالات يمكن للمتطوّعين اختطاف نزاع محلي بطبيعته وتحويله إلى معركة عابرة للحدود، فقد أدى تدفق المتطوّعين في الحروب السابقة إلى تحويل معركة من قضية قومية إلى دينية، وهناك آثار أخرى ناجمة عن مشاركة المتطوّعين في الحروب الخارجية، حيث سيعود المتطوّعين بخبرات قتالية وعزيمة، ومع أن البعض منهم لن يتسبب بمشاكل حالة عودته، لكنه ينتظر المشاركات في نزاعات أخرى.

وربما يحتاج كثير من المتطوّعين إلى رعاية خاصة بعد عودتهم من ساحات القتال، كإعادة التأهيل والدمج في المجتمع نتيجة لتعرضهم لآثار ما بعد الصدمة, والتطوع يحتاج إلى جملة من القضايا القانونية والعملية التي يجب التفكير بها, ويجب على الحكومات وضع معايير واضحة تتعلق بطريقة مشاركة المتطوّعين وتسجيلهم في منظمات رسمية, كما ويجب عليها تقديم المعلومات الأساسية حول القانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب المتعلقة بالمدنيين, فالأمر يتطلب جهة خاصة لمن يسافرون للقتال وخطوطا هاتفية تساعد الذين يريدون العودة إلى بلادهم, وتقديم مزيد النصح لمن يريدون التطوّع, وعلى حد معرفتي فان القانون الدولي الإنساني  أقر في السابق منع المتطوّعين السفر إلى ساحات القتال.

العالم اليوم منقسم تماماً حول الحرب الدائرية بين الروس والأوكرانيين, وربما هناك إعادة ترتيب أوراق سياسات وتوجهات كثير من دول العالم من جديد, وبهذا المعنى فهي حرب عالمية ثالثة ليس مشروطة بإشهار السلاح فيها, وإنما مشروطة بإشهار النفط والغاز والطاقة المتجددة, وربما الماء فيها, وبهذا المعنى فهي أخطر بكثير من إشهار السلاح فيها, كيف لا ونشهد اليوم سيناريوهات (حرب متطوّعين) جديدة لافته للنظر بين روسيا وأكرانيا, فالأوكرانيين يتحدثون عن آلاف المتطوعين الأمريكيين والأوروبيين للحرب مع الأوكرانيين ضد الروس, وفي المقابل الروس يتحدثون عن آلاف المتطوّعين من منطقة الشرق الأوسط للحرب مع الروس ضد الأوكرانيين.

العالم العربي اليوم خجول من (نفطه) المتبعثر, وخائف من (شبابه) المعطّلين عن العمل في هذه الحرب, فالتحرك نحو الشرق فيه خجل, والتحرك نحو الغرب فيه خوف, لكن النتيجة مزيد من الانقسامات في عالمنا العربي والتي ستترك لنا تداعيات خطيرة على أمن مستقبل امتنا العربية.

وبعد..

أنا (وهذه خصوصيتي).. أنا في النهار مع روسيا, وفي الليل مع أوكرانيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.