في الذكرى الـ 50 لحرب فيتنام الهزيمة التي غيرت امريكا


مهدي مبارك عبدالله

 

بقلم / مهدي مبارك عبد الله

في يوم 29 من آذار عام 1973 انهت الولايات المتحدة عمل قيادتها العسكرية
في فيتنام ومنذ ذلك الحين أصبح هذا التاريخ ” اليوم الوطني لقدامى
المحاربين في فيتنام ” الذي تحتفل فيه أميركا اليوم مع 11 ألف منظمة
أهلية بالذكرى الـ 50 لانتهاء الحرب عبر برنامج أُطلق في عام 2012 ويستمر
حتى عام 2025 لتقديم الشكر والعرفان لنحو تسعة ملايين من قدامى المحاربين
( منهم ستة ملايين على قيد الحياة اليوم ) وذك على خدماتهم وتضحياتهم
خلال واحدة من أطول الحروب الأميركية التي امتدت من الأول تشرين الثاني
1955 إلى السابع من أيار 1975

بدأت حرب أميركا الطويلة مع فيتنام الشمالية الشيوعية المدعومة من
الاتحاد السوفياتي والصين لوقف تمددها في شرق آسيا  وذلك بعد تدخلها
العسكري لمساعدة فيتنام الجنوبية حيث تحولت الى حرب استنزاف بلا هدف
منظور وبخسائر متزايدة وقد احدثت صدمة هائلة في حياة الأميركيين فتحت من
خلالها آفاق جديدة للنقاش والحوار ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم
وقد تغيرت على اثرها الدولة الأميركية سياسياً وعسكرياً واجتماعيا
وثقافياً بعدما خسرت امريكا الحرب اضافة الى أرواح (58220 مقاتل ) خلال
نحو 20 سنة من الصراع الدامي في شرق آسيا

ومع خروج المتظاهرين المناهضين للحرب إلى الشوارع وهم يحرقون بطاقات
التجنيد وإجبار الرئيس ريتشارد نيكسون على سحب القوات الأميركية من
فيتنام بحلول عام 1973 قبل أن تسقط فيتنام الجنوبية تحت غزو شامل جرى في
عام 1975 على يد حكومة الشمال الشيوعية وقوات الـ  ” فيت كونغ ” الثورية

وعلى الرغم من طعم المرارة ومأساوية الانسحاب المذل من فيتنام وفي اطار
المواساة مع النفس ورد شيء من الاعتبار المعنوي للدولة والجيش اعتبر
الرئيس الأميركي جيرالد فورد في عام 1975 انه بالإمكان ( استعادة الشعور
بالفخر الذي كان موجوداً قبل الحرب ) في حين يعترف مؤرخون وسياسيون كثر
بهزيمة ” أميركا القائدة ” في فيتنام ورغم كل ذلك لا زال الجدل مستمر حول
ما إذا كانت هذه الهزيمة سياسية أم عسكرية باعتبار أن فيتنام ايضا خسرت
أضعاف ما خسرته أميركا من الجنود والقناعة بان الولايات المتحدة لم تهزم
من الناحية العملية على المستوى الاستراتيجي وان المعركة برمتها كانت
جزءاً من الحرب الباردة التي أثبتت الولايات المتحدة بعد 15 سنة من
خسارتها أن خصمها الحقيقي كان الاتحاد السوفياتي وقد تم الاعتراف بان
أميركا خسرت الحرب في فيتنام من منظور الإعلام والعلاقات العامة فقط

للمرة الاولى في تاريخ الحروب لعب الاعلام الامريكي عبر شاشة التلفزيون
دورا متقدما في نقل وقائع المعارك المصورة عبر الأقمار الصناعية مباشرةً
إلى غرف معيشة المواطنين حتى أصبحت وسائل الإعلام في حرب فيتنام موضع جدل
مستمر في الانحياز وعدم الموضوعية حيث اعتقد البعض أنها لعبت دوراً
كبيراً في هزيمة الولايات المتحدة عبر بث التقارير السلبية ما ساعد على
تقويض دعم الحرب في الداخل الأميركي كما قدمت تغطيتها غير الخاضعة
للرقابة معلومات قيمة للعدو في فيتنام وغالباً ما كان يشار إلى الصراع في
فيتنام على أنه ” حرب التلفزيون الأولى ” وقد  أتاحت الصحف المختلفة خلال
حرب فيتنام مساحةً صغيرة لتصوير أفراد الخدمة العسكرية الأميركية في
مواقعهم لكن في الحقيقة ان الخسارة وخيبة الأمل الأميركية من الحرب كانت
نتاج أسباب عدة كانت وسائل الإعلام واحدة منها فقط لكن أكثر ما قوض وخفض
مستوى الدعم للحرب هو ارتفاع مستوى الخسائر الأميركية  والقتلى وتضاؤل
احتمالات النصر وانتشار تقارير متزايدة عن الفظائع التي ارتكبها الجنود
الأميركيون بحق المدنيين

بعض الأميركيون الذين لا زالوا على قيد الحياه يتذكرون الحرب الغابرة في
صور مواطنيهم وهم يعانون ويحسبون عدد القتلى والجرحى ورحلة تعافي
المصابين وصور الأهالي وهم في حالة حزن على موتاهم ومنذ تلك اللحظة بحث
القادة العسكريون الامريكيون عن طرق جديدة لإبراز قيمة الشرف العسكري في
صراعات قواتهم وكانت إحدى الطرق هي تغيير الطريقة التي يكرم بها الجيش
عناصره حيث تغيرت معايير( وسام الشرف ) أكثر وتم تكريم الجنود الذين
خدموا وابدعوا في اعمالهم الدفاعية التي أنقذت أرواح زملائهم الأميركيين
بدلاً من قتل المسلحين الشيوعيين اما الطريقة الأخرى التي عدل بها الجيش
الأميركي من نهجه فهي تخفيف قبضته على الانضباط  والتعامل مع العصيان
داخل صفوفه بالسماح لأعضائه بالتعبير عن معارضتهم في بعض الأمور كما
أصبحت عائلات الجنود محط اهتمام وزاد الحرص على احترام أفراد القوات
المسلحة وخدمتهم للبلاد بشكل دائم والاستمرار في تكريمهم بدرجة عالية كما
تطلب الحال المستجد إلغاء آلية التجنيد المعهودة وتحويل قطاعات الجيش إلى
قوة من المتطوعين ولهذا طالب البعض بالعودة إلى روح التجنيد العسكري على
قدم المساواة للجميع

ولعل أحد أبرز عناصر إرث فيتنام أيضاً هو أن امريكا أصبحت تدير الحروب
بطرق مصممة لتقليل الخسائر وتجنب أسر أي من جنودها من خلال القصف عالي
الارتفاع وعبر طائرات ” الدرون ” المسيّرة والمركبات المدرعة الثقيلة لكن
ذلك في المقابل أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين والحد من التفاعل
بين القوات المدنية والأميركية وزيادة صعوبة كسب دعم السكان المحليين وقد
ظهر ذلك جليا  في العراق وأفغانستان

حرب فيتنام لم تجعل من الأميركيين دعاة سلام لكنها جعلت المدنيين
الأميركيين أكثر اهتماماً برفاهية وحياة قوات بلادهم ولم يكن كل شيء عن
الحرب سلبياً كما اشيع فقد جمعت المعسكرات الامريكية في فيتنام شباناً من
خلفيات عرقية وأثنية متنوعة وأجبرتهم على الوثوق ببعضهم البعض داخل بوتقة
واحدة لعبت دوراً هائلاً في دفع أميركا نحو الاندماج الحقيقي

المكانة والاهتمام بتلك الحرب في وعي الأميركيين الوطني تراجع كثيرا ليس
فقط لأن 65 % من الأميركيين حالياً هم دون سن الـ 45 ولا يستطيعون تذكرها
بل أيضاً لأن حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وتواجدها
العسكري في سوريا وصراعها مع الإرهاب دفعت بالصورة الذهنية المرعبة عن
فيتنام إلى الخلف أكثر وقد غيرت حرب فيتنام الطريقة التي ينظر بها
الأميركيون إلى السياسة بعدما اعتادوا على كذب القادة السياسيين منذ ذلك
الوقت سواء فيما يتعلق بأحداث الحرب أو أعداد الجثث أو الحديث عن معنى
التهدئة والهدنة والذي اثار جدل واسع بين الناس عن ” فجوة المصداقية ” في
لدى الزعماء السياسيين وحتى العسكريين كطريقة لطيفة للمراوغة والكذب التي
عكست خيبة امل كبيرة بالحكومة وابرزت قوة الشعب ورغبته في إحداث التغيير

لقد مثلت حرب فيتنام درساً مهماً لواضعي سياسات الأمن القومي الأميركي
حيث تعلم السياسيون درساً مفاده بأن الخروج من الحرب هو أكثر تعقيداً من
الدخول في الصراع خاصة بالنسبة إلى الديمقراطية الأميركية ولتدليل عل ذلك
خلال سنوات الرئيس رونالد ريغان قدم البنتاغون عقيدة مرحلية حول المشاركة
العسكرية بانها لابد وان  تتطلب أهدافاً سياسية واضحة ودعماً عاماً قبل
الانخراط فيها واستراتيجية خروج معدة مسبقاً في التخطيط والعمليات

وعلى ذات النهج اتبع الرئيس جورج بوش الأب هذه المبادئ أثناء حرب تحرير
الكويت في عام 1991 لكن بعد عقد من الزمان عادت دروس فيتنام إلى الظهور
من جديد مع عودة القوات الأميركية إلى العراق حيث وجدت نفسها عالقة في
حرب برية تفتقر إلى حل سياسي ودبلوماسي وعسكري واضح المعالم

لقد كان لهزيمة فيتنام عواقب وخيمة بالغة الأهمية اتخذها الرئيس نيكسون
في البيت الأبيض منها  على سبيل المثال لا الحصر سياسة الانفتاح على
الصين وسفره الى بكين والتي كانت  مدفوعةً برغبة قوية منه لإعادة ضبط
المواجهات في مسألة الحرب الباردة بالتزامن مع مغادرة القوات الأميركية
منطقة شرق آسيا وهي السياسة التي جعلت الصين تبدأ انفتاحها على الغرب في
أوائل عام 1972 كقوة اقتصادية وسياسية عالمية وقد تشكلت السياسة
الأميركية على اثار الحرب لعقود طويلة  ولا يمكن بأي حال فصل ما جرى من
الأحداث والإلام التي وقعت في فيتنام سيما في الفترة التي تناغمت خلالها
الاضطرابات السياسية مع الاضطرابات الثقافية الهائلة بعدما استقر هذا
التغيير الجديد في قلب الحركات الاجتماعية والسياسية المتنوعة لمواجهة
سياسات الموت والاضطراب

وكما اسلقنا  في البداية اكتسبت الحرب دعماً من غالبية الأميركيين ولكن
مع مرور الوقت وتزايد عدد الوفيات بدأ المنظور الوطني في التحول نحو
التناقض  وبدأت جهود مناهضة الحرب خاصة بعدما تفاقم دافع القلق لدى
الشباب بسبب التجنيد العسكري ما ادى الى نقل التمرد الأميركي الى مختلف
المجالات والمؤسسات واشتعلت روح المطالبة بالحرية  وتفاقم النضال من أجل
دعم جهود السلام واخيرا يمكن القول بان حرب فيتنام شكلت صدمةً وطنية غيرت
جذريا وجه امريكا عما قبلهاً بعد ما عايش الامريكيون قصة حرب انتهت
بالفشل والهزيمة التي نشأت جذورها في مجتمع كان متجذر بالخطاب المعادي
للشيوعية والحاجة إلى إظهار القوة الأميركية حول العالم

mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.