قراءة إدارية للرسالة الملكية


د.عبدالله محمد القضاة

=

بقلم /  د.عبدالله محمد القضاه

وجود رؤية إستراتيجية شمولية للدولة عابرة للحكومات يشارك فيها الجميع ؛يعتبر ضرورة ملحة في ظل التوجيهات الملكية السامية لتحديث الدولة الأردنية في مئويتها الثانية ، وإن غياب تلك الرؤية نتج عنه ضعف العمل المنظومي والمؤسسي الإستراتيجي للوزارات والبرامجية للوزارة الواحدة، وكذلك ضعف التركيز على النتائج كعنصر أساسي في تحديث الادارة الحكومية و متابعة الممارسات المبتكرة و استخدام أدوات القياس والتحليل وتطوير أدوات جديدة في ممارسات الخدمة العامة.

كما أن وجود العديد من الخطط والبرامج للوزارات والهيئات والمؤسسات أربك المشهد الوطني خاصة في ظل ضعف عمليتي المتابعة والتقييم وغياب الإستدامة لهذه الخطط والبرامج، اسهم وبشكل جلي في صعوبة تنفيذ القرارات والوصول إلى قرارات توافقية مبنية على الحقائق والمعلومات والتخصصية، وإشغال مجلس الوزراء  بأعمال تسيير القرارات الإدارية في الوقت الذي يفترض أن يكون تركيزه منصّباً على الرؤية الوطنية ومتابعة تنفيذها من خلال مؤشرات اداء) (KPIS لكل وزارة اضافة الى رسم السياسات العامة  واتخاذ القرارات على المستوى السياسي والاستراتيجي، ومتابعة الأداء الحكومي، حيث أظهرت تقارير تقييم الأداء الحكومي ان معظم الاستراتيجيات الخاصة بالوزارات شكلية وغَير مطبقة ، وان القيادات الحكومية لاتعنى بإعتبار الإستراتيجية الوطنية خارطة طريق الوزارة أو المؤسسة، وهذا بالطبع أدى الى عدم وضوح طبيعة دور مجلس الوزراء في الإستراتيجيات وتحديد الأهداف الوطنية ومتابعة قياسها بشكل منهجي.

الرسالة التي وجهها جلالة الملك للمواطنين بمناسبة ذكرى ميلاده الميمون تضمنت في ثناياها منهجا جديدا في التخطيط الشمولي الذي يعكس رؤية وطنية عابرة للحكومات ، حيث يقول جلالته ” أن هذه الرؤية تتطلب جهوداً مكثفة تبني على مواطن القوة وتعالج نقاط الضعف، في التخطيط والتنفيذ، بما يرفع سوية الأداء في مختلف القطاعات، ويوفر الفرص والخدمات لكل الأردنيين”، كما أن الجديد في النهج الإداري للدولة وفق المنظور الملكي الحديث هو تكليف الديوان الملكي الهاشمي للبدء بتنظيم ورشة عمل وطنية، تجمع ممثلين من أصحاب الخبرة والتخصص في القطاعات الاقتصادية، وبالتعاون مع الحكومة، لوضع رؤية شاملة وخارطة طريق مُحكمة للسنوات المقبلة.

 

 

كما أن الجديد في الرسالة الملكية أن جلالة الملك شخصيا سيتابع تنفيذ هذه الرؤية، لتُشكّل بما تتضمنه من خطط وبرامج، المرتكز الأساسي لكتب التكليف للحكومات، وبما يضمن الاستمرارية في الإنجاز للحكومات والمسؤولين، والحيلولة دون إعادة صياغة الخطط والاستراتيجيات كلما حلت حكومة محل أخرى.

وهنا نجد أن هناك منحى جديدا في إعتبار الرؤية الوطنية العابرة للحكومات هي المرتكز الأساسي لكتب التكليف للحكومات وليس العكس، وهذا مؤشرا مهما في تعزيز المؤسسية والإستدامة العابرة للحكومات وهي ماكنا نفتقده في إدارة الدولة في مئويتها الأولى، ومن خبرتي في الإستراتيجيات الحكومية أجد أن الملك قد نجح بشكل جلي في تشخيص أهم الأسباب الجذرية التي أدت إلى تراجع كفاءة الجهاز الحكومي وضعف فاعلية الإدارة العامة للدولة في الحقبة السابقة. والتي دفعت برأس الدولة للمطالبة بالتخطيط المؤسسي السليم، وبرؤية واضحة.

القراءة الإدارية لرسالة الملك تظهر الإطار الوطني للتخطيط ؛ فمن رؤية وطنية يرعاها جلالة الملك شخصيا وتتضمن خارطة طريق طويلة الأمد (عابرة للحكومات ) للتغيير المنشود للدولة بأكملها (مكانها الديوان الملكي الهاشمي) إلى تحديد دقيق لدور الحكومات القادمة؛ يبدأ بتبني هذه الحكومات خططا وبرامج شاملة متكاملة، بأهداف واضحة ومخرجات قابلة للقياس. و أن تعمل بشفافية وتوضح آليات عملها بصراحة ومسؤولية، إضافة إلى تكريس نهج المساءلة للمقصرين في واجباتهم تجاه المواطن، لأن مفهوم الخدمة العامة يفرض تقديم الحلول وليس وضع العراقيل أمام المواطنين.

ويتضمن نهج المساءلة للمسؤولين تحديد أهداف ومؤشرات ضمن مستويات مستهدفة (إتفاقيات أداء) في بداية فترة التكليف ، ثم تقييم موضوعي بنهايتها في ضوء تلك المؤشرات ، ونتيجة التقييم تحدد مدى إستمرارية المسؤول من عدمه، بحيث أنه لا مكان للمقصرين في ضوء تطبيق هذا النهج الحديث ، وهو مايعرف بإدارة الأداء.

كما أنه لم يغب عن التوجيه الملكي أهمية حوكمة العمل الإداري؛ فبالإضافة الى ضرورة ترسيخ الشفافيه بعمل الحكومات فقد جاء التركيز جليا على النهج التشاركي ، فلم يعد من المقبول أن تنفرد الحكومات بإدارة شؤون الدولة فلابد من إشراك المواطن وإشراك القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني من خلال مجالس شراكة تعمل بشكل مؤسسي و مستدام لترشيد القرار الوطني.

خلاصة القول، رسالة جلالة الملك تؤسس لبناء مكتب ” الرؤية الوطنية ” في الديوان الملكي الهاشمي ، ويكون تحت إشراف مباشر لرئيس الدولة ليتولى العديد من المهام ؛ لعل أهمها:

أ- بناء استراتيجية عامة  للدولة( عابرة للحكومات) لتحديث كافة أجهزة الدولة بالإعتماد على النهج التشاركي منبثقة من منظمومة قيمية واضحة الهوية.

ب‌-تحديد الأهداف الوطنية ومسؤولية كل وزارة/ مؤسسة / دائرة ، ضمن مؤشرات محددة وواضحة وقابلة للقياس وفق أفضل الممارسات الدولية، لترسيخ مبدأ المسائلة للأداء الحكومي.

ت‌-الإشراف على إدارة نظام مركزي للمتابعة والتقييم، وإعتماد مخرجاته مدخلا للمسائلة و للقرارات الحكومية ذات الصلة بإدارة الأداء المؤسسي والفردي (الحوافز والمكافآت، إستمرارية بقاء المدراء والمسؤولين في مواقعهم …..الخ.

ث‌- الإشراف على تطوير وإعتماد معايير ومؤشرات الأداء الرئيسة وإلزام جميع الدوائر بها.

ج‌-ضمان ربط التخطيط المالي بالإستراتيجية سواء من خلال الموازنة أو / و توجيه المنح الخارجية نحو برامج تحديث الإدارة العامة للدولة.

ح‌-الإشراف على بنك المعلومات الوطني للادارة العامة الاردنية ينشأ لهذه الغاية.

خ‌-دعم ورعاية عمليات الإبتكار والريادة والإبداع المؤسسي وإستشراف المستقبل.

إن وجود مثل هذا المكتب في الديوان الهاشمي سيضمن نجاح الحكومات في إعادة هندسة القطاع العام بطرق مبتكرة، والنجاح في أتمتة التعاملات الرسمية الأمر الذي يجعل تقديم الخدمات العامة عملية أكثر سلاسة وكفاءة وشفافية. ومن خلال تقليل المعاملات الورقية المباشرة، سنختزل الكثير من الترهل، وستصبح سوية الخدمات وعدالتها أقل عرضة للأهواء الشخصية أو الفساد الوظيفي .

رسالة الملك جاءت في التوقيت المناسب؛ فكل ماتضمنته من إبداعات ملكية سيكون عونا للجنة تحديث الإدارة العامة والخبراء المعنيين في عكس مضامينها ضمن خارطة الطريق المرجوة لتحديث الإدارة الوطنية وفق أفضل الممارسات العالمية.

* امين عام وزارة تطوير القطاع العام ، مدير عام معهد الإدارة العامة سابقا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.