أثر استقرار الاجتهاد القضائي وتوافقه مع القانون على الثقة بالعدالة واستقرار المراكز القانونية

محامي محمد صدقي الغرايبة
في كل دولة تحترم نفسها، لا تقوم العدالة على النصوص وحدها، بل على الطريقة التي تُفهم وتُطبّق بها تلك النصوص. فالقانون، مهما بلغ من دقة، يبقى إطاراً عاماً، بينما الاجتهاد القضائي هو الأداة التي تمنحه حياة عملية داخل الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ومن هنا، يصبح استقرار الاجتهاد وتوافقه مع القانون حجر الزاوية في بناء الثقة بالقضاء وترسيخ الأمن القانوني.
لم تُصَغ القوانين لتغطية كل واقعة محتملة، ولا يمكنها ذلك بطبيعتها. فهي قواعد عامة ومجردة، تتطلب من القاضي أن يُنزِلها على الوقائع المتغيرة. هنا يتدخل الاجتهاد القضائي بوصفه نشاطاً تفسيرياً يهدف إلى كشف إرادة المشرّع وتطبيقها على الحالة المعروضة. غير أن هذا الدور، رغم ضرورته، يحمل في داخله خطراً إذا انفصل عن ضوابطه، وهو خطر التحول من التفسير إلى التشريع المقنّع.
استقرار الاجتهاد لا يعني الجمود أو تحريم التطور، بل يعني أن القضايا المتماثلة يجب أن تُحكم بمنطق واحد وقاعدة واحدة، ما لم يظهر مبرر قانوني جدي للعدول. فالعدالة لا تُقاس فقط بصحة الحكم في ذاته، بل أيضاً بمدى انسجامه مع ما صدر قبله في وقائع مماثلة. فالمساواة أمام القضاء تفقد معناها عندما تُطبّق القاعدة ذاتها بطرق متناقضة.
حين يعلم المتقاضي أن مصيره القانوني يمكن توقعه استناداً إلى اجتهاد مستقر، فإنه يثق بالقضاء حتى إن خسر دعواه. أما حين يرى الأحكام تتبدل بلا ضابط، فإن شعوره لا يتجه إلى القانون بل إلى القاضي، وتتحول العدالة من نظام إلى رهانات. هنا تبدأ الثقة بالاهتزاز، وتصبح المحاكم، في وعي الناس، ساحة احتمالات لا ساحة حقوق.
الثقة بالقضاء لا تُبنى بالشعارات، بل باليقين. واليقين لا يولد إلا من استقرار القاعدة القضائية.
المركز القانوني هو الوضع الذي يستقر عليه الفرد نتيجة عقد، أو حكم، أو ملكية، أو التزام. فإذا كان الاجتهاد القضائي مضطرباً، فإن هذه المراكز تصبح هشّة، قابلة للانهيار عند أي تغيير في التفسير. أما إذا كان الاجتهاد مستقراً، فإن الحقوق تترسخ، والالتزامات تتحدد، ويصبح القانون أداة استقرار لا مصدر قلق.
ولهذا فإن استقرار الاجتهاد ليس مسألة فنية تخص القضاة وحدهم، بل هو ركيزة من ركائز الأمن المجتمعي.
لا يغامر مستثمر في بيئة قانونية متقلبة. فالعقد الذي لا يمكن توقع مصيره القضائي هو عقد بلا قيمة حقيقية. إن أهم ضمانة للاستثمار ليست الإعفاءات ولا التسهيلات، بل قضاء يمكن التنبؤ بأحكامه. فالاستقرار القضائي هو في جوهره استقرار اقتصادي.
عندما يتحول الاجتهاد إلى أداة لإعادة صياغة النصوص أو تجاوزها، تنتقل العدالة من حكم القانون إلى حكم التأويل الشخصي. عندها، لا يعود المواطن مطمئناً إلى النص، ولا إلى المحكمة، بل إلى ما لا يمكن ضبطه. وهذه أخطر مراحل الانهيار القانوني، لأنها تقتل فكرة الدولة من داخلها.
إن استقرار الاجتهاد القضائي وتوافقه مع القانون ليس ترفاً فقهياً، بل هو شرط وجودي لدولة العدالة. فحيث يكون الاجتهاد منضبطاً، يكون القانون سيداً، وحيث يكون القانون سيداً، تكون الحقوق آمنة، وتكون الثقة بالقضاء راسخة، ويكون المجتمع أكثر استقراراً.
العدالة لا تُقاس بعدد القوانين، بل بمدى قدرة الناس على توقع ما سيقوله القاضي حين يطبقها.
المحامي محمد صدقي غرايبه

