أَحْرَارُ أُسْطُولِ الصُّمُودِ فْضَحُوا انْحِطَاطَ بِنْ غَفِيرَ الْأَخْلَاقِيَّ وَكشفوا اسْتِعْرَاضَهُ الْمُخْزِي

مهدي مبارك عبدالله
لم يكن الفيديو الذي ظهر فيه المجرم ايتمار بن غفير مجرد مشهد عابر لوزيرٍ متطرف يبحث عن ضوء الكاميرا بل كان صورة مكثفة لانحدارٍ أخلاقي وسياسي بلغ حدَّ التشفّي بأبطال أحرارٍ حملوا إلى غزة رسالة خبزٍ ودواءٍ وكرامة في زمن الحصار والمجازر وفي اللحظة التي كان فيها متضامنون من شعوب العالم في سفن اسطول الصمود يخاطرون بحياتهم وحريتهم وأمنهم دفاعًا عن الإنسان الفلسطيني المقهور
بكل السوقية والصفاقة اطل اليوم بن غفير على العالم بن غفير حين اختار في هذه اللحظة البائسة وهو يقدّم للعالم الوجهً الحقيقي لإسرائيل بواقعها المأزوم وأخلاقها المتردية حين وجد في التضامن الإنساني السلمي فرصةٍ سانحة للاستفزاز والشماتة والاهانة والاستعراض الرخيص بكل وقاحة وغطرسة وكأن الاحتلال الصهيوني الارهابي لم يعد يكتفي بالقوة العسكرية التي مارسها في ابشع صورها بل بات يتباهى أيضًا بإهانة كل صوتٍ إنساني شريف وحر يرفض الظلم والعدوان حيث كشف ذلك السلوك حجم ومدى التوحش اللاأخلاقي الذي يمكن بلغه الخطاب العنصري الصهيوني بعدما فقد كل ما لديه من حسٍّ إنساني
هذا المسخ البشري الذي تربّى داخل البيئة الكاهانية المتطرفة وحمل إرث التحريض والإقصاء منذ شبابه لم يكن يومًا حالة هامشية أو صوتًا منفلتًا بل تحوّل مع الوقت إلى واجهة سياسية لعقيدة تقوم على التشفّي والعنف واستباحة الكرامة الإنسانية والتباهي العلني بالقمع والتنكيل
الحديث عن فيديو بن غفير الأخير في اهانة المشاركين في اسطول الصمود الى غزة ليس سرد هامشي لواقعة عابرة أو تصرف فردي منفصل بل عن مشهد سياسي وأخلاقي مكتمل كشف حجم الانحدار الذي بلغته المؤسسة الإسرائيلية حين يصبح وزير الأمن القومي نفسه منشغلًا بتصوير المعتقلين المقيّدين وبث مشاهد إذلالهم على الملأ وكأنها مادة دعائية للشماتة والاستعراض ولم تكن اللقطات التي نشرها لناشطي أسطول الصمود وهم جاثون على الأرض وأيديهم مقيدة ورؤوسهم منحنية مجرد توثيق أمني كما حاول البعض تبريره بل هي فعل إذلال متعمّد يحمل عقلية انتقامية مريضة وسادية منحرفة تتلذذ بتحقير البشر وكسر معنوياتهم أمام الكاميرات
بكل حقارة وقذارة وقف بن غفير وهو يلوّح بالعلم الإسرائيلي أمام ناشط أعزل مقيّد مرددًا شعارات قومية استفزازية في صورة تختصر جوهر تفكيره المنحط الذي يقوم على مشروع تحويل القوة إلى أداة استعراض نفسي والقمع إلى احتفال علني وتحويل الإنسان المقيد إلى مادة للشماتة السياسية وهذا السلوك لا يمكن عزله عن تاريخه الطويل في التحريض والكراهية فمنذ سنوات وهو يتعمد تصوير اقتحاماته للمسجد الأقصى وبثها بطريقة استفزازية كما اعتاد نشر مقاطع يسخر فيها من الأسرى الفلسطينيين ويتفاخر بجنون بحرمانهم من الطعام والدواء والتلفاز كما يصف السجون بأنها لم تعد فنادق للرفاهية والايواء بل أماكن للتعذيب والإذلال
لا زال العالم يتذكر مشاهد اقتحامه لسجن عوفر وتوثيقه مشاهد التنكيل بالأسرى الفلسطينيين وما هذا التصرف المشين سوى امتداد طبيعي لهذه العقلية حيث ظهر حينها محاطًا بالقوات المدججة بالسلاح والكلاب البوليسية وهو يهدد الأسرى ويعدهم بمزيد الإجراءات القمعية والتنكيل بينما كانت القنابل الصوتية والغازية تطلق عليهم داخل الزنازين في مشاهد أعادت إلى الأذهان صور الأنظمة الأكثر وحشية في التاريخ المعاصر لكن الفارق هنا أن صاحب هذه الممارسات لا يخفي أفعاله بل يتباهى بها أمام الكاميرات ويقدّمها لجمهوره باعتبارها إنجازات سياسية وانتخابية معتبره
الحقيقة ان خطورة الجرذ بن غفير لا تكمن فقط في ساديته الشخصية بل في كونه يعكس تحوّلًا عميقًا داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل حيث بات خطاب الإذلال والعنصرية أكثر قبولًا وانتشارًا والرجل الذي دافع عن قتلة عائلة دوابشة وحرّض ضد العرب وارتبط بحركة كاخ المصنفة إرهابية وبهذا لم يعد مجرد ناشط متطرف على هامش الحياة السياسية بل أصبح وزيرًا نافذًا يمتلك سلطة على الشرطة والسجون والسلاح ويستند إلى قاعدة شعبية تتسع مع تصاعد النزعة الانتقامية داخل المجتمع الإسرائيلي خصوصا بعد حرب غزة
المفارقة الصادمة في العمق أن موجة الانتقادات التي طالت فيديو أسطول الصمود لم تأت فقط من الخارج او العرب والمسلمين واحرار العالم بل صدرت أيضًا من شخصيات إسرائيلية متقدمة رأت في تصرفه فضيحة أخلاقية واستعراضًا مخزيًا فقد اتهمه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأنه ألحق ضررًا متعمدًا بصورة إسرائيل وأفسد جهودًا سياسية ودبلوماسية واسعة بينما اعتبرت منظمات حقوقية أن ما جرى يعكس سياسة ممنهجة قائمة على الإهانة والإذلال والتنكيل بالناشطين والأسرى على حد سواء وهذا بحد ذاته يكشف أن المشكلة لم تعد مجرد تجاوز فردي بل أصبحت أزمة أخلاقية ممنهجة تضرب صورة الدولة الاحتلالية نفسها
لعل أخطر ما في فيديو بن غفير أنه يفضح الحقيقة التي حاولت إسرائيل طويلًا إخفاءها خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحين يتحول تعذيب الأسرى وإهانة المتضامنين إلى مادة دعائية ينشرها وزير رسمي بفخر فإن الأمر يتجاوز حدود الانتهاك الأمني ليصبح إعلانًا صريحًا عن انهيار المعايير الإنسانية والأخلاقية داخل بنية الحكم نفسها المضطربة اصلا خاصة وان بعض الدول التي تحترم القانون تخفي انتهاكاتها على الأقل خجلًا أو خوفًا من المحاسبة أما حين يصبح الانتهاك مادة احتفال علنية وتصوير واستعراض فاضح فإننا نكون أمام عقلية استعمارية فقدت أي إحساس بالقيم أو الحد الأدنى من الإنسانية المجردة
على العالم الحر والضمير الانساني ان يدركا جيدا ان فيديو بن غفير ليس مجرد مشهد عابر على منصات التواصل بل وثيقة سياسية وأخلاقية تكشف الوجه الحقيقي لعقيدة الاحتلال القائمة على القهر والإذلال والتفاخر بالعنف وهو أيضًا دليل جديد على أن التطرف في إسرائيل لم يعد استثناءً بل أصبح جزءًا من المشهد الرسمي المعلن وأن ما كان يمارس داخل الغرف المغلقة بات اليوم يُصوَّر ويُنشر ويُحتفل به أمام العالم دون خجل أو خوف أو شعور بالعار
في النهاية : سيبقى ما فعله أحرار وابطال أسطول الصمود أكثر فهما و بقاءً من كل مشاهد الاستفزاز الارعن والضجيج الاجوف التي حاول بن غفير تسويقها والتاريخ الصادق والنزيه لا يتذكر صخب المتطرفين بقدر ما يتذكر أولئك الذين وقفوا إلى جانب المظلومين في أحلك اللحظات وإن الإهانات التي وُجِّهت للمتضامنين لن تنتقص من قيمتهم بل زادتهم احترامًا وتقديرا في أعين الشرفاء حول العالم لأن من يحمل رسالة إنسانية خالدة هو أكبر من أن تهزه استفزازات جرثومية عابرة أو خطابات كراهية مأزومة وستبقى غزة تعرف أن هناك من كسر جدار الصمت ووصل إليها ولو برسالة تضامن بينما سيبقى خطاب التطرف الصهيوني غارقًا في عزلته الأخلاقية مهما علا صوته
لقد أراد بن غفير من استعراضه المهين أن يبعث رسالة خوف وإذلال لانصار القضية الفلسطينية حول العالم لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا فقد أثبت أحرار أسطول الصمود أن الكرامة الإنسانية لا تُهزم بالاستفزاز ولا تُرهبها حملات الإهانة وأن صوت المتضامنين مع غزة بات أقوى من كل محاولات التشويه والتحريض لذلك فإن كل إساءة وُجِّهت إليهم تحولت في الحقيقة إلى وسام شرف ونيشان بطولة يكشف الفرق الهائل بين من يحمل رسالة إنسانية ومن يغرق في خطاب الكراهية والتعصب والعنجهية السياسية الخرقاء
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

